أكد النائب إيهاب وهبة، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري بمجلس الشيوخ، أن الظواهر الرقمية الحديثة لم تعد تقتصر على كونها موجات عابرة من الفكاهة والترفيه، وإنما أصبحت في بعض الأحيان قادرة على تشكيل بيئات افتراضية متكاملة تعكس قضايا المجتمع وتعيد إنتاجها بصورة ساخرة، وهو ما يستدعي قراءة واعية لهذه الظواهر في إطار الحفاظ على الوعي الجمعي وهيبة مؤسسات الدولة.
وأوضح وهبة أن ما بدأ كدعابة مستوحاة من عالم «سبونج بوب» وتحول إلى ترند تحت اسم «قاع الهامور»، ثم تطور إلى عالم افتراضي يضم مسميات تحاكي مؤسسات الدولة، مثل «مركز شرطة» و«وزارة داخلية» وإجراء معاملات وانتخابات، يمثل نموذجًا يستحق التوقف أمامه وتحليل أبعاده، ليس باعتباره ظاهرة سياسية في حد ذاتها، وإنما باعتباره انعكاسًا لطريقة تعبير جديدة لدى قطاعات من المجتمع، خاصة الشباب، عن آرائهم ومشكلاتهم.
وأشار رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري إلى أن الخطورة لا تكمن بالضرورة في النوايا السياسية للمشاركين في مثل هذه الظواهر، والتي يغلب عليها الطابع الترفيهي، وإنما في إمكانية تحول البيئات الافتراضية المغلقة إلى مساحات لإعادة إنتاج المشكلات المجتمعية بعيدًا عن القنوات الرسمية والمجتمعية الطبيعية، بما قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الثقة في المؤسسات ورموز الدولة إذا لم تقابلها مساحات حقيقية ومفتوحة للتعبير والمشاركة.
وشدد وهبة على أن مواجهة هذه الظواهر لا ينبغي أن تقوم فقط على الرصد والتحذير، وإنما يجب أن تمتد إلى معالجة الأسباب التي تدفع البعض إلى البحث عن مساحات بديلة للتعبير والتنفس، وفي مقدمتها ضرورة توسيع المجال العام وتفعيل العمل الحزبي، بما يسمح للأحزاب والقوى الوطنية بمختلف اتجاهاتها بأن تكون حلقة وصل حقيقية بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وأضاف أن وجود حياة حزبية أكثر نشاطًا وفاعلية يتيح نقل قضايا الشارع ومشكلاته اليومية إلى قنوات شرعية ومفتوحة، ويمنح المواطنين مساحات للتعبير والمشاركة والمناقشة، بدلًا من ترك هذه القضايا تتشكل داخل مجموعات رقمية مغلقة قد يصعب التعامل مع ما ينتشر داخلها من شائعات أو معلومات غير دقيقة.
وأكد النائب إيهاب وهبة أهمية استعادة الإعلام الوطني لدوره التفاعلي، مشيرًا إلى أن الإعلام القادر على الوصول إلى المواطنين والرد السريع على الشائعات والمعلومات المغلوطة وتقديم الحقائق بشفافية ووضوح، يمثل أحد أهم أدوات حماية الوعي العام، ويحول دون ترك الساحة للمحتوى الساخر أو غير الموثوق ليكون المصدر الرئيسي للمعلومات لدى قطاعات من الجمهور.
ولفت إلى ضرورة التمييز بين الفكاهة والسخرية باعتبارهما جزءًا أصيلًا من طبيعة المجتمع المصري، وبين تحول السخرية إلى حالة مستمرة تستهدف إفراغ المؤسسات والرموز من دلالاتها وهيبتها، موضحًا أن حماية الوعي القومي لا تعني التضييق على المساحات الترفيهية أو مصادرة حق المواطنين في التعبير، وإنما تعني بناء وعي قادر على التمييز بين الدعابة العابرة والمحتوى الذي قد يسهم بصورة تراكمية في تقويض الثقة بالمؤسسات.
واختتم إيهاب وهبة بالتأكيد على أن تعزيز الأمن القومي يبدأ من بناء مواطن واعٍ يمتلك الثقة في دولته ومؤسساتها، وأن أفضل وسيلة لمواجهة تمدد المساحات الافتراضية المغلقة هي توسيع المساحات الحقيقية المفتوحة أمام المواطنين، من خلال إعلام مهني ومتفاعل، وحياة حزبية نشطة، ومجال عام يستوعب مختلف القضايا والتحديات، بما يحافظ على الهوية الوطنية وهيبة مؤسسات الدولة، ويضمن في الوقت ذاته استمرار مساحات الترفيه والتعبير بصورة لا تمس ثوابت المجتمع واستقراره.