المصادفة تقود المخابرات لاكتشاف المهندس نعوم شبيب مصمم ومنفذ برج القاهرة - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 5:11 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

في الحلقة الثالثة من كتاب «برج القاهرة.. أول مهمة للمخابرات العامة المصرية»

المصادفة تقود المخابرات لاكتشاف المهندس نعوم شبيب مصمم ومنفذ برج القاهرة

برج القاهرة
برج القاهرة
إعداد : إسماعيل الأشول
نشر في: الإثنين 30 سبتمبر 2013 - 10:32 ص | آخر تحديث: الإثنين 30 سبتمبر 2013 - 10:49 ص

• المصادفة تقود ضابط المخابرات لاكتشاف المهندس نعوم شبيب مصمم ومنفذ البرج

 • المهندس تغلب على مشكلات تربة جزيرة الزمالك وصمم البرج على شكل زهرة اللوتس الفرعونية

 • الضابط يسرى الجزار المكلف من المخابرات العامة بمهمة بناء البرج يسافر إلى أسوان لانتقاء أفضل موردى خامات الجرانيت

 • تخصيص قطار بضاعة لجلب الجرانيت من أسوان.. ومصنع أسمنت يورد إنتاجه بالكامل للمشروع

 

جمال عبد الناصر

فى الحلقتين الماضيتين، روى اللواء دكتور عادل شاهين، مؤلف كتاب «برج القاهرة.. أول مهمة لجهاز المخابرات العامة المصرية»، الذى سيصدر قريبا، قصة لقاء حسن التهامى مستشار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بأكبر ضابط للمخابرات الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط مايلز كوبلن عام 1955، حيث سلّمه الأخير حقيبة بها مليون دولار أمريكى، كهدية من الحكومة الأمريكية للرئيس عبدالناصر الذى اعتبرها بدوره بمثابة «قنبلة للاغتيال المعنوى»، وأمر بإنفاقها فى إقامة مبنى سياحى يكون شاهداً على رفض المصريين للتطاول الأمريكى، وتم الاتفاق على أن يكون برجا شاهقا على نيل القاهرة.

وحين تولى الضابط بجهاز المخابرات العامة يسرى الجزار عملية تنفيذ إقامة البناء، وقع اختياره على منطقة الجزيرة بالزمالك، إلا أن أساتذة العمارة بكلية الهندسة بالقاهرة والاسكندرية أخبروه أن إقامة البناء فى هذه المنطقة أمر غير ممكن؛ إلا أن لقاءً رتبه القدر حمل خبراً ساراً للجزار وهو ما سنعرفه فى السطور القادمة.

 

يسرى الجزار

لقاء رتَّبه القدر

كان يسرى الجزار يسير فى أثناء الفترة المسائية يتريض فى شوارع منطقة وسط القاهرة من ناحية ميدان باب اللوق، وهى المنطقة الحيوية الكبرى فى العاصمة، والتى تضم عمارات ضخمة تشكل كرنفالا معماريًا تجلى فيه روعة الفن المعمارى الإيطالى، والفرنسى وغيره من روائع فنون العمارة سواء فى التصميم أو التشييد أو الديكور الأمر الذى لا يمكن أن تخطئه العين.

وخلال سير الجزار فى المنطقة المحيطة بميدان باب اللوق وخلال تلفته يمينا ويسارا على العمارات الشاهقة لفت نظره وجود عمارة جار تشييدها وترتفع طوابقها تشق سماء القاهرة فسأل الخفير المعين للحراسة عن المهندس الإنشائى الذى يقوم ببناء هذه العمارة فأجابه أنه المهندس «نعوم شبيب» وعاجله الجزار باستفسار آخر: المهندس ده بييجى هنا فى موقع العمارة امتي؟ وأجاب خفير الحراسة: مقر مكتبه قريب جدا.. وأشار للجزار على موقع عمارة قريبة جدا من العمارة الجارى إنشاؤها وأضاف: مكتبه فى الدور الأرضى هناك إذا كنت عاوزه، وعلى فكرة هو قاعد هناك دلوقتى.

ما هى إلا دقائق معدودة وكان الجزار يخطو عدة خطوات داخل مدخل العمارة حتى وقف أمام لافتة من الرخام معلقة على باب مدخل إحدى شقق الدور الأرضى تعلن أن المكان مكتب استشارى هندسى للمهندس «نعوم شبيب».

وما إن دق جرس الباب حتى استقبله أحد العاملين وأجلسه فى المكان المعد لاستقبال الضيوف فى مدخل الشقة، ودخل يخطر المهندس شبيب بأن شخصا ما يطلب مقابلته، وعلى الفور خرج شبيب إلى خارج مكتبه متوجها إلى هذا الضيف المجهول واصطحبه إلى حجرة مكتبه حيث أجلسه أمامه وفى مواجهته وبدأ الحديث بين الاثنين.

 

المهندس نعوم شبيب

حوار حول البرج

المهندس نعوم: أهلًا وسهلًا.

يسرى الجزار: أهلا بيك.. أنا اسمى يسرى الجزار بفكر فى بناء مبنى سياحى فى شكل جديد وغير موجود مثله فى القاهرة، وعاوز آخد رأيك خصوصا بعدما شاهدت العمارة المجاورة التى تقوم ببنائها الآن.

المهندس نعوم: أوى أوى.. بس قوللى تفصيلات أكثر إيه شكل المبنى السياحى المطلوب.. هل يكون على شكل هرم من الخارج وبداخله يصمم مساحات وفراغات لتقديم خدمات سياحية أم إيه بالضبط؟

يسرى الجزار: بصراحة أنا أفكر أن أبنى مبنى على شكل برج يرتفع لعدد من الأدوار بحيث يحتوى على عدة فراغات لتقديم بعض الخدمات السياحية وأهمها إمكانية الإطلال على القاهرة من جميع الاتجاهات الأصلية وبحيث يستطيع كل من يرتاده أن يقضى وقتا ممتعا يتمكن من خلال النظارات المكبرة والمعظمة متابعة تفاصيل أهم المعالم السياحية فى القاهرة كالقلعة، وأهرامات الجيزة ومجرى النيل الذى يشق العاصمة بالإضافة إلى المعالم السياحية الأخرى.

المهندس شبيب: أوى أوى بس دا هيحتاج إلى دراسة فنية تستغرق بعض الوقت حتى نصل إلى شكل التصميم النهائى للبرج، وعلى فكرة تكلفته عالية جدا.. بس أنت ماقلتليش عن المكان.. عاوز تبنى فين هذا البرج؟ هل عندك مكان محدد أم نفكر سويا فى اختيار مكان مناسب.

يسرى الجزار: والله أنا بفكر فى مكان رائع، أنا كنت منذ أسبوع فى زيارة عند أحد أصدقائى وهو بالمناسبة مهندس زراعى وهو مسئول عن متابعة الـ(Land Escape) للحديقة المجاورة لقصر النبيل عباس حليم فى منطقة جزيرة الزمالك. والمكان هناك أكثر من رائع وبفكر أن يكون مكان هذا البرج هناك.

المهندس نعوم: وقد شده ما سمعه من الجزار واستغرق فى تفكير عميق وهو يحرك قلما فى يده ثم اعتدل فى جلسته على نحو يوحى بقبوله الفكرة مبدئيا، وأومأ برأسه وعلى الفور امتدت يده إلى جرس استدعاء الساعى الموجود فى صالة المكتب والذى حضر على الفور. فوجه له المهندس نعوم أمرا بالنزول إلى بدروم العمارة حيث يوجد (مخزن) خاص للمهندس نعوم وطلب منه إحضار «كتل عينات الصلصال» الموجودة على أحد الأرفف داخل المخزن, وأمضى حوالى عشر دقائق ثم حضر العامل ومعه إطار من الخشب مقاسه حوالى 45سم x 30سم بداخله كتلة من الصلصال موضوعة داخل صندوق الخشب على شكل كرة دائرية وخلال هذه الفترة تساءل الجزار: هل طبيعة التربة فى هذه المنطقة يمكن أن يقام فيها هذا المبنى؟

وأجاب المهندس نعوم: عشان كده.. أنا باعت أجيب لوحة الصلصال.. فهى ستجيب بصفة مبدئية عن هذا التساؤل.

ثم بدأ المهندس نعوم يقوم بعجن وتسوية قطعة الصلصال الكبير حتى باتت مستوية تماما فى مساحة الصندوق الخشبى، ثم فتح مكتبا واستخرج قلم رصاص جديدا وقام برشقه فى وسط لوحة الصلصال على عمق معين وأخذ يراقب بنظره أى تداعيات لهذا الرشق.. فبعد ثوان لاحظ أن القلم بدأ يميل لأحد الأجناب ثم استقر القلم مائلا، فبدأ محاولة جديدة أخرى بأن قام بإعادة إعداد لوحة الصلصال وأضاف لها كمية أخرى من الصلصال بهدف زيادة سمكها وعمقها فى الصندوق الخشبى وقام بإعادة رشق القلم مرة أخرى على عمق أكبر وتبع ذلك محاولة ثالثة ورابعة بعد إجراء عدة تعديلات فى كل مرة بعضها تتناول مدى عمق الرشق وبعضها الآخر تناول مدى زيادة تكثيف الأجناب، وهكذا حتى بدأ القلم أخيرا عند رشقه فى الصلصال قد اتخذ مركزا ثابتا عموديا لا يميل إلى أى جانب.

والواقع أن هذه المحاولات كانت تجرى أمام عين الجزار يتابعها بكل اهتمام وشغف وانتباه بالإضافة إلى مراقبته المستمرة والمركزة على ملامح التعبيرات التى تتراءى له على وجه المهندس نعوم إلى أن فاجأه المهندس نعوم شبيب برد حاسم وسريع وقاطع:

أستاذ يسرى: (yes we can) أنا استطيع أن ابنى البرج المطلوب بالمواصفات التى تطلبونها فى المكان ده.

يسرى الجزار: مهندس نعوم ما هى طلباتك؟

المهندس نعوم: «أنا مش هاخد فلوس» ولكن يعمل معى عدد من المساعدين والملاحظين الذين سيعاونوننى فى مراحل التنفيذ وهما اللى فاهمنى وأثق فى أدائهم معى وسأقدم لك كشفا أسبوعيا لسداد مرتباتهم فقط.

وانتهى هذا اللقاء الذى رتبه القدر على غير موعد بين الجزار والمهندس شبيب الذى قدم نموذجا رائعا فى حب مصر بإعلانه أنه لن يتقاضى أتعابا عن هذا العمل.

وقبل أن يغادر يسرى الجزار بادره المهندس نعوم:

على فكرة: أستاذ يسرى لم تقل لى: هل لديكم تصور للشكل الخارجى للبناء؟ هل تفضلون شكلا معينا.

يسرى الجزار: أنت فاجأتنى بهذا السؤال. هل لديك أنت يا مهندس نعوم أى تصور لشكل معين؟

المهندس نعوم: أنا أفضل أن يكون الشكل الخارجى على شكل زهرة اللوتس وهى الزهرة التى كان يفضل قدماء المصريين استخدام شكلها فى بناء معابدهم ومقابرهم التاريخية.

لمسة فرعونية

وهكذا كان هذا الاختيار الذى وافق عليه الجميع يحمل لمسة تاريخية مستدعاة من تاريخ الفراعنة القدماء إلى أحفادهم فى هذا الزمان.

وغادر الجزار مكتب المهندس شبيب بعد أن تبادل معه أرقام التليفونات وعرف أوقات تواجده اليومى بمكتبه وما إن وطئت قدماه الشارع حتى كاد يطير فرحا وسعادة.

فها هو ذا قد وجد طاقة نور وأمل ساقها القدر له تنبئ ولو حتى الآن عن امكانية تحقيق طلب جمال عبدالناصر. ولكنه قرر أن يمسك فى قرارة نفسه عن الإفصاح عما تم.

وفى اليوم التالى وخلال جلوسه فى مكتبه أمسك بقلم وورقة وأخذ يسطر عدة أسئلة مطلوب الإجابة عنها فى اللقاء التالى مع المهندس شبيب، وكلها أسئلة كانت تدور حول الخطوات التحضيرية للمشروع والمطالب الرئيسية الأخرى التى يتطلبها المشروع.

والواقع أن الجزار كان قد قدر أنه يجب عليه أن تتوافر لديه حصيلة من المعلومات يستقيها من المهندس نعوم قبل اقدامه على عرض ما أنجزه على زكريا محيى الدين وحسن التهامى.

وبناء على اتصال تليفونى مسبق التقى فى موعد لاحق مع المهندس نعوم شبيب فى مكتبه ودار بينهما الحديث على النحو التالى:

يسرى الجزار: مهندس شبيب هل مازلت على رأيك فى إمكانية تنفيذ مشروع البرج السياحى؟

المهندس نعوم: نعم بل أنا متحمس له جدا جدا.

يسرى الجزار: إذن ابدأ الآن فى تلقى جميع طلباتك فى مرحلة التحضير لبدء المشروع.. ثم أخرج بلوك نوت وقلما من جيبه وبدأ يكتب.

وبدأ المهندس نعوم شبيب يتحدث:

رقم (1) حددوا المكان بالضبط، وللعلم البرج سيكون له بالضرورة منشآت سياحية خدمية أخرى تقام على الأرض ملاصقة له ليكون مشروعا متكاملا، وعلى الفور يتم تحديد المساحة الكلية للمشروع ويتم تجهيزها وإحاطتها بسور من الخارج يمنع الاقتراب منها أو دخولها تمهيدا لدخول المعدات الخاصة بالمشروع.

رقم (2) المشروع سيستلزم توريد كميات كبيرة من الأسمنت على مدى مدة تنفيذه التى لن تقل بأى حال من الأحوال عن أربع سنوات قادمة، وبالتالى لابد من توافر ضمانة لاستمرارية مد المشروع بكميات الأسمنت التى تتطلبها مراحل البناء.

رقم (3) المادة الأساسية فى البناء ستكون من «أحجار الجرانيت» وهذا الاختيار هو الأفضل بكل المقاييس الفنية والمعمارية ولكنه مكلف للغاية لكونه يوجد فقط فى منطقة أسوان، وخلى بالك أنا ليه اخترت حجر الجرانيت؛ لأنه الذى ظل باقيا عبر الزمان منذ أن استخدمه المصريون القدماء فى بناء معابدهم ومقابرهم، ويجب ان يتم الاتفاق مع مورد من محاجر أسوان ليقوم بتحضير الكميات التى سيحتاجها المشروع وبالمقاسات التى سنحددها له، ولابد من إحضار عينة من حجر الجرانيت لأطلع عليها قبل أن تتعاقد. وأيضا يجب أن تتوافر ضمانة لاستمرارية نقل هذه الخامة من أسوان إلى الموقع فى القاهرة على مدار سنوات البناء.

وأضاف المهندس نعوم شبيب: البناء سيقتصر فقط على خامتين هما أحجار الجرانيت وخليط الأسمنت والرمل. وانتهى اللقاء واتفق على موعد لاحق لقيام المهندس شبيب والجزار بمعاينة منطقة الجزيرة على الطبيعة واختيار وتحديد أفضل موقع للمشروع حتى يتم ضرب نطاق من الأسوار حوله.

وانصرف الجزار وهو يشعر بمزيد من السعادة لإمكان تحقيق هذا العمل القومى، خاصة أنه تأكد له أن المهندس شبيب مازال ثابتا على اقتناعه بامكان قيامه بتنفيذ المشروع، بل ودخل فى مناقشة المتطلبات التحضيرية لبدء المشروع مما يعكس ويؤكد تحمسه للمشروع, وفى اليوم التالى لهذا اللقاء كتب الجزار تقريرا وافيا متضمنا اتصالاته بأساتذة كلية الهندسة بجامعة القاهرة والإسكندرية وما انتهوا إليه باستحالة تنفيذ المشروع لعيوب فى التربة فى منطقة الجزيرة، كما تضمن التقرير أيضا ملخصا وافيا لما دار فى لقاءاته مع المهندس شبيب. وما انتهى إليه من إبداء قدرته على التنفيذ، وكذلك عرض التقرير لمجمل المطالب التحضيرية للمشروع التى أوصى بها المهندس نعوم شبيب.

لجنة فنية

وما أن انتهى من إعداد تقريره ومراجعته جيدا طلب موعد مقابلة مع زكريا محيى الدين المشرف العام على المخابرات العامة. وعرض عليه تفاصيل ما جاء بالتقرير وطالب بعقد لجنة مصغرة تضم بعض الفنيين والمختصين للنظر فى تحديد كيفية الإجابة عما ورد بخصوص مطالب المهندس شبيب. ووعد زكريا محيى الدين بالاستجابة الفورية لتحديد إجابات واضحة لهذه المطالب، كما أخطر الجزار أن السيد رئيس الجمهورية سيحاط بكافة التفاصيل.

ومرت الأيام والجميع يتناولون الموضوع بجدية بالغة للحيلولة دون وجود أية عقبات تعوق المضى قدما نحو تحقيق المشروع. وتعدد انعقاد اللجنة الفنية المشكلة برئاسة الجزار لبحث أساليب الاستجابة لمطالب المهندس شبيب وقدمت تقريرا بعد دراسة مستفيضة إلى زكريا محيى الدين وقد شملت الدراسة: حصرا بجميع مصانع الأسمنت الموجودة على مشارف القاهرة وفى محيطها موضحا بها طاقتها الإنتاجية الشهرية لخدمة الأسمنت وأسعار التوريد للموقع، وحددت الدراسة أيضا أفضل هذه المصانع وأكثرها التزاما وأوصت بأن يوقف جميع إنتاج هذا المصنع للمشروع ضمانا لاستمرارية تدفق خامة الأسمنت.

كما شملت الدراسة أيضا نتائج زيارة ميدانية قام بها الجزار بالقطار هو وعدد من الفنيين إلى أسوان استغرقت أسبوعا حصر خلالها على الطبيعة المهندسين والمقاولين الذين يقومون باستخراج خامة الجرانيت من المحاجر الواقعة فى أسوان واستقر على تحديد أفضل هؤلاء الموردين وكذا أفضل خامة من خامات حجر الجرانيت وأكثرها نقاوة وعاد ومعه أكثر من عينة اطلع عليها المهندس نعوم شبيب فيما بعد وقد وقع اختياره على أحد أنواع الجرانيت بوصفها أكثر الأنواع نقاوة ومن ثم رتب لقاء فى القاهرة بعد ذلك مع مورد الجرانيت لتوقيع عقد التوريد شاملا تحديد الكميات الأسبوعية ومقاسات أحجامها والأسعار ونظام الدفع والتسليم.

كما قدمت الدراسة أيضا اقتراحا بتخصيص قطار بضاعة قوامه عشر عربات من هيئة السكك الحديدية لنقل خامة الجرانيت مرة كل أسبوع إلى محطة سكة حديد الجيزة، ومن هناك يتم النقل بالسيارات للموقع.. وقد وافق زكريا محيى الدين على كل ما جاء فى هذه الدراسة من اقتراحات وكلف الجزار باستمرار التنفيذ فورا بعد أن عين «لجنة خاصة للإشراف المالى»، تكون معنية بتسجيل كل ما يصرف على المشروع موثقا وتتم مراجعة أعمالها كل شهر بمعرفته شخصيا. كما اتفق على أن يسافر يسرى الجزار إلى أسوان فى بداية كل شهر ليشرف بنفسه على البدء فى تحميل حجر الجرانيت على عربات قطار البضاعة الخاص والاطمئنان إلى عدم وجدود أية معوقات. وبادر يسرى الجزار بلقاء المهندس نعوم شبيب فى مكتبه وأحاطه بكل التفاصيل المتعلقة بالاستجابة لمطالبه خاصة أسلوب وضمان توافر خامتى الأسمنت والجرانيت بصفة دائمة ومستمرة، وكذلك إحاطته بأنه قد تم تسوير الموقع وأصبح جاهزا لبدء المشروع. وبدأ المهندس شبيب وأطقم مساعديه ينقلون معدات العمل إلى الموقع كما بدأ التواجد بصفة يومية فى الموقع لمتابعة بدء العمل، كما بدأ فى تشوين كميات كبيرة من الجرانيت والأسمنت بالموقع، ودارت حركة العمل بجدية ونشاط.

أول البناء .. حجر

وما هى إلا أشهر قليلة حتى بدأت شواهد هذا الصرح السياحى الكبير تظهر معالمه على سطح الأرض معلنة للجميع أن رمزا وطنيا بدأ يعلو يوما بعد يوم ليعلن للقاصى والدانى أن إرادة مصر غير قابلة للمساومة، ودليلا يظل دائما وعبر التاريخ شاهدا على نزاهة ذمة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وصدق رجال المخابرات العامة المصرية ووفائهم وأمانتهم وأنهم دائما وأبدا على قدر المسئولية. وأود أن أشير هنا ــ والكلام للمؤلف اللواء عادل شاهين ــ إلى أنه يحسب للمهندس نعوم شبيب أنه فى تصميمه للقواعد والأساسات التى ارتكز عليها بناء البرج لم يشأ أن تكون قاعدة البرج على اتساعها كتلة صماء من الخرسانة المسلحة حيث إن هذا كان سيتطلب تكلفة مالية رهيبة، ولكنه ارتأى أن تكون قواعده تحت الأرض على عمق كبير وتحتوى شبكة من الحجرات والمربعات فى كل الاتجاهات ولمسافات تمتد لحوالى 100 متر فى كل اتجاه وفى هذا التصميم يتحقق أكثر من فائدة لهذه القاعدة على نحو ما سنرى فيما بعد. ومن الجدير بالذكر أيضا أن جسم البرج الخارجى يدخل فى بنائه خامتان فقط هما أحجار الجرانيت وخامة الأسمنت، وقد استبعد خام الحديد من البناء وذلك من منطلق فنى معمارى أن أحجار الجرانيت مع خامة الأسمنت ستشكل فى النهاية كتلا حجرية جراتينية متراصة فوق بعضها البعض على نحو يشكل التصاقا على أعلى درجات القوة والتماسك وقد أجريت عدة تجارب على هذا قبل البدء فى التنفيذ وجاءت النتائج لتؤكد هذا.

 

«الحلقة الأولى»

برج القاهرة أول مهمة قومية للمخابرات العامة المصرية

 

«الحلقة الثانية»

عبد الناصر لـ«أمريكا» بعد محاولة شرائه بمليون دولار: «عشم إبليس في الجنة»



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك