الإستونيون.. المُجتمع الرقمى الأكثر تطورًا فى العالَم - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 23 أغسطس 2019 2:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





الإستونيون.. المُجتمع الرقمى الأكثر تطورًا فى العالَم

نشر فى : الجمعة 2 أغسطس 2019 - 9:10 م | آخر تحديث : الجمعة 2 أغسطس 2019 - 9:10 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب نديم منصورى نعرض منه ما يلى:
قرَّرت الجمهورية الإستونية، إحدى دول البلطيق الواقعة فى الركن الشمالى الشرقى من أوروبا، منذ انفصالها عن الاتحاد السوفيتى فى العام 1991، اتخاذ الخطوات العملية التى تقودها نحو التحول الرقمى، وعملت على إلغاء جميع الإجراءات المُعتمَدة سابقا فى الحقبة السوفيتية والبدء من مرحلة الصفر.
أطلقت الحكومة الإستونية فى العام 1997، مُبادرة «e ــ estonia»، لبلوغ الدولة الرقمية، واستطاعت أن تحقِّق هذا الهدف لتكون إستونيا اليوم، المجتمع الرقمى الأكثر تطورا فى العالَم.
منذ البدء، أدركت إستونيا أنها دولة صغيرة، عدد سكانها لا يزيد على 1.3 مليون نسمة، ولا تتوافر فيها مَوارد طبيعية وفيرة أو سوقٌ داخلية ضخمة. من هذا المنطلق، رأت أن تطورها لا يُمكن أن يتم من خلال الاعتماد على المفاهيم الاقتصادية التقليدية، بل فى الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية باعتبارها فرصة حقيقية فى تحقيق التغيير لمجتمعها. وبالفعل أصبحت إستونيا بفضل فَهمها للواقع الاقتصادى الجديد، ووفقا للمنتدى الاقتصادى العالَمى، أكثر البلدان ريادية فى أوروبا.
استطاعت إستونيا أن تحقِّق مجتمعها الرقمى من خلال الاعتماد على مبدأ الشراكة ما بين: حكومة تمتلك استراتيجية واضحة وذات رؤية مستقبلية، وقطاع خاص مختص بتكنولوجيا المعلومات، ومواطنين مُبدعين فى التكنولوجيا.
شكَّلت هذه الشراكة القوة فى تجاوُز التحديات المُواجِهة لها، ولاسيما أنها تجربة تبدأ من الصفر ولا تستند إلى أى تجربة سابقة. لقد بدأت الحكومة بتقديم الخدمات الرقمية بطريقة لم تكُن مُتاحة من قبل، ومع قبولها التحدى، تمكَنت أن تحسِن الحياة اليومية للمواطنين بشكل متميز. يظهر هذا التميز فى عرض المؤشرات الآتية:

التوفير والفاعلية
يتم توفير ما لا يقل عن 2 % من الناتج المحلى الإجمالى للدولة بسبب الاستخدام الجماعى للتوقيعات الرقمية خلال المُعاملات الرقمية، إذ يتم توفير 800 سنة من وقت العمل سنويا بفضل تبادُل البيانات، وقد تم تقليل الوقت اللازم لتأسيس عمل تجارى من 5 أيام عمل إلى 18 دقيقة.

المؤشرات المالية
يتم إنشاء 98% من الشركات عبر الإنترنت، يستغرق الوقت لإنشاء شركة عبر الإنترنت 18 دقيقة فقط، كما أن 99% من المُعاملات المصرفية تتم عبر الإنترنت، يتم إيداع 95% من الكشوفات الضريبية عبر الإنترنت، تستغرق 3 دقائق فقط!

مؤشرات الحكومة الإلكترونية
98 % من الإستونيين يحملون بطاقة هوية وطنية رقمية، أكثر من 25.000 شخص تقدموا بطلبٍ للحصول على الإقامة الإلكترونية، أكثر من 30% من الناخبين الإستونيين فى 116 دولة يستخدمون التصويت الإلكترونى فى الانتخابات الإستونية.

الرعاية الصحية
97 % من المرضى لديهم سجلات رقمية يُمكن الوصول إليها فى جميع أنحاء البلاد.
97 % من الوصفات الطبية هى رقمية.
500.000 استفسار من قبل الأطباء و300.000 استفسار من قبل المرضى فى كل عام.
بيانات X ــ Road كمنصة لتبادُل البيانات.
99 % من الخدمات العامة تتم عبر الإنترنت مع خدمة 24 ساعة على مدى أيام الأسبوع، يتم من خلال المنصة 500 مليون استفسار كل عام، ليس هناك من توقف فى النظام منذ العام 2001.

السلامة العامة
أصبح عمل الشرطة أكثر فاعلية بنسبة 50 مرة بفضل حلول تكنولوجيا المعلومات.
نظام الشرطة الإلكترونية متوافر فى سيارات الشرطة الذى يضم أكثر من 15 قاعدة بيانات، بما فى ذلك قواعد شنجن Schengen والإنتربول.

الأمن السيبرانى
تُعد Locked Shields، أكبر تمرين دولى للدفاع عبر الإنترنت فى مجال مُكافحة الجرائم الإلكترونية، كما وصفها مركز الامتياز التعاونى للدفاع السيبرانى التابع لمنظمة حلف شمال الأطلسى CCDCOE، الذى يتم تنظيمه منذ العام 2010 فى تالين، عاصمة إستونيا.
بدأت الحكومة الإستونية اعتماد تقنية KSIBlockchain لحماية سلامة البيانات المُخزَنة فى المستودعات الحكومية منذ العام 2008، وهى تقنية مُصمَمة فى إستونيا وباتت متوافرة فى أكثر من 180 دولة فى العالَم.
تستضيف إستونيا مركز التميُز التابع لمنظمة حلف شمال الأطلسى للتعاون الدفاعى NATO والوكالة الأوروبية لتكنولوجيا المعلومات.
التعليم: تحتل المرتبة الأولى فى أوروبا فى اختبار PISA برنامج دولى لتقييم الطلاب الذى تنظمه منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية.
85 % من المدارس الإستونية تعتمد نِظام المدرسة الإلكترونية.

كيف استطاعت أن تحقِّق هذا النجاح؟
عندما بدأت إستونيا فى بناء مجتمعها الرقمى، لم يكُن هناك قاعدة بيانات رقمية قد جُمِعت عن مواطنيها. لم يكُن النفاذ إلى الإنترنت متوافرا لجميع السكان، ولم يكُن كل السكان يستخدمون الأجهزة الرقمية أصلا. تطلَّب الأمر شجاعة من الحكومة للاستثمار فى حقول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واعتماد مسار التكنولوجيا الرقمية فى عملية التحول. نستعرض بعض الحلول الرقمية التى اعتمدتها إستونيا لتكون أكثر المجتمعات الرقمية تطورا فى العالَم.

مبادئ الحَوكمة الرقمية فى إستونيا
اللامركزية: لا تتوافر قاعدة بيانات مركزية تُتيح لكل صاحب مصلحة ــ سواء أكان إدارة حكومية أم وزارة أم صاحب نشاط تجارى ــ اختيار نظامه الخاص
التوصيل البَينى: جميع عناصر النظام تتبادَل البيانات بأمان وتعمل معا بسلاسة.
النزاهة: بفضل تقنية KSIblockchain، فإن جميع عمليات تبادُل البيانات والاتصالات تتم بشكلٍ مستقل ومفتوح وآمن، مع الخضوع إلى المُساءلة عند الحاجة
المنصة المفتوحة: يجوز لأى مُستخدِم الاستفادة من البنية التحتية المتوافرة التى تعمل كمَصدر مفتوح.
المرونة: القوانين المُرتبطة بالمجتمع الرقمى مَرنة قابلة للتعديل والتطوير.
الدقة: يتم جمْع البيانات مرة واحدة فقط من قبل المؤسسة، ما يلغى البيانات المكررة والبيروقراطية.
الشفافية: للمواطنين الحق فى الاطلاع على معلوماتهم الشخصية والتحقق من كيفية استخدامها من قبل الحكومة عبر ملفات السجل.
لقد اعتمدَ نجاح التجربة الإستونية على مُواطِن مُنفتح الذهن، متحمس لاستخدام الحلول الإلكترونية، وعلى بنية تحتية قوية جعلت من المُمكن بناء نظامٍ بيئى للخدمات الإلكترونية آمن وسهل الاستخدام. واستطاعت أن تبنى ثقة واسعة فى مجتمعها الرقمى ومستوى غير مسبوق من الشفافية فى الإدارة.
على الرغم من النجاح المتميز الذى حققته التجربة الإستونية فى عملية التحول الرقمى فى وقتٍ قياسى نسبيا، اعتبرت الدولة أن رحلتها الرقمية لم تنتهِ. وعليه، تعمل باستمرار على خوض التجارب الجديدة مع الحرص على الاستفادة من الأخطاء الماضية.
ترى الجمهورية الإستونية أن الخطوة البديهية المستقبلية تكمن فى نقل خدماتها الأساسية إلى وضع رقمى بالكامل يوفِر للمواطنين الخدمات الرقمية التلقائية على مدى الساعة وطوال أيام الأسبوع. ونعرض جزءا من طموحات إستونيا المستقبلية، والتى بدأت فى خوض غمارها:

دولة رقمية جديدة
مَنحت الإقامة الرقمية e ــ Residency للمواطنين فرصة الانتماء إلى دولة رقمية عالَمية. حيث لم يعُد مكان العمل أو الإقامة عائقا أمام رواد الأعمال لمُتابعة أعمالهم، يتوقف الأمر على الإمكانات التى سيوفرها لهم الاقتصاد العالَمى وفى دمقرطة التجارة الإلكترونية وجذْب رواد الأعمال. وترى إستونيا أن الدول ستتنافس فى المستقبل على جودة خدماتها الرقمية العامة لجذْب المُقيمين الإلكترونيين.

سفارة البيانات
يُقصد بسفارة البيانات أن الدولة تمتلك مَوارِد الخادِم خارج حدودها الإقليمية. هذا مفهوم مُبتكر للتعاون مع معلومات الدولة؛ إلا أن جميع مَوارد بيانات السفارات خاضعة لسيطرة الدولة الإستونية، ومحميَة ضد أى هجوم إلكترونى من خلال استخدام تقنية KSIblockchain، وهى قادرة على توفير نسخ احتياطية، وعلى تشغيل أكثر الخدمات أهمية.

تقنية Blockchain
بدأت إستونيا باختبار تقنية blockchain منذ العام 2008، ووضعتها قيد الاستخدام الفعلى منذ العام 2012 فى سجلاتها، مثل أنظمة الرموز الوطنية للصحة والقضاء والتشريع والأمن والتجارة. هناك خطط لتوسيع استخدامها لتشمل مجالات أخرى، مثل الطب الشخصى والأمن السيبرانى وسفارات البيانات.

تبادُل البيانات عبر الحدود
كلما أصبحت الشركات والمُواطنين أكثر قدرة على الحركة والتنقل، تصبح الحاجة إلى خدمات إلكترونية دولية أكثر إلحاحا. بدأت إستونيا هذا العمل مع مرفق لتبادُل بيانات القطاع العام، تم تأسيسه بين فنلندا وإستونيا فى العام 2017. وتأمل إستونيا أن يتوسع هذا المرفق ليطاول جميع الدول الأوروبية بوقت قريب.

النقل الذكى
تُعَد إستونيا رائدة فى مجال تكنولوجيا المعلومات من خلال بطاقات الهوية الإلكترونية، والتصويت الإلكترونى، والإقامة الإلكترونية. فى العام 2017، اتخذت الحكومة الإستونية خطوة مهمة جديدة، عندما سمحت قانونيا باعتماد المركبات ذاتية القيادة على جميع الطرق الوطنية والمحلية، على اعتبار أن هذه التقنية ستُساعد على تحسين السلامة على الطرق. وبالتالى تستمر إستونيا فى جعل نفسها منصة حديثة للابتكار والتكنولوجيات الجديدة، كونه يتوافر لديها بالفعل جميع المتطلبات والقدرة فى بلوغ ذلك.

التقرير 3.0
تعمل الحكومة الإستونية على إعداد التقرير 3.0 بهدف التقليل من الأعباء على رجال الأعمال خلال تقديمهم البيانات الإلزامية إلى مؤسسات الدولة. وسوف يتم الانتهاء من بوابة جديدة للضرائب الإلكترونية والجمارك فى العام 2020، حيث سيكون تبادُل المعلومات بين الشركات والجهات الضريبية تلقائيا ويتطلَب منح الوصول إلى البيانات فقط. سيوفِر الإعداد لهذا التقرير الكثير من الوقت والمال، وهو ما يسمح للشركات بالتركيز على النمو والإنتاجية.

التحول الرقمى فى التعليم
تؤمن الحكومة الإستونية أن تربية مجتمع ذكى هو أذكى استثمار تقوم به الدولة. لذا هى تعمل دائما على تطوير المهارات الرقمية للأمة بأكملها. مثال: بحلول العام 2020، ستتم رقمنة جميع المواد الدراسية فى المدارس الإستونية وإتاحتها من خلال حقيبة مدرسية إلكترونية.

الصناعة 4.0
تهدف الحكومة الإستونية إلى تفعيل الصناعة وتقديم الحلول التكنولوجية المفيدة لتطوير جودة التصنيع. وتسعى من خلال قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على تطوير حلول الصناعة 4.0 من خلال اعتماد مفهوم Real TimeFactory، وكما يوحى الاسم، يسمح لمديرى المصانع بتتبع مؤشرات الأداء الرئيسة فى الوقت الفعلى، وهو ما يجعلهم يتخذون القرارات المناسبة فى عمليات تحسين الجودة، والعمل كنظامٍ متكامل واحد.
نستخلص مما تقدَم أنه متى توافرت الرؤيةُ الحكومية، وتعاونُ مُختلف القطاعات، وثقةُ المواطنين بدولتهم، يستطيع أى شعب تحقيق هدفه.

النص الأصلى:من هنا

التعليقات