العملية التعليمية في الجامعات - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 6:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

العملية التعليمية في الجامعات

نشر فى : الجمعة 5 أبريل 2024 - 7:15 م | آخر تحديث : الجمعة 5 أبريل 2024 - 7:15 م

نكمل حديثنا فى مقال اليوم عن حال الجامعات من الناحية التعليمية وقد بدأناه فى مقال الأسبوع الماضى، وقد لقى صدى جيدا من القراء الذين تواصلوا مع كاتب هذه السطور. الموضوع متشعب وبه الكثير من القضايا التى يجب مناقشتها فى ضوء عصرنا الحالى الرأسمالى البراجماتى.
نبدأ بأنواع الجامعات..
هناك ثلاثة أنواع من الجامعات:
• الجامعات الحكومية: وهى التى تقع تحت إدارة وتمويل الدولة، وتكون مصاريف الدراسة بها قليلة. وهذا النوع يشمل الجامعات التى تخرج منها جيلى والأجيال السابقة.
• الجامعات الأهلية: وتعتبر جديدة نسبيا فى مصر لكنها موجودة فى أمريكا مثلا منذ عقود كثيرة. السواد الأعظم من الجامعات فى أمريكا إما حكومية أو أهلية، والقليل جدا من الجامعات الخاصة. الجامعات الأهلية بمصاريف أكثر من الحكومية، ويديرها مجلس أمناء، والمكسب يعود للجامعة لتمويل جميع المصروفات من معامل وتجديدات إلخ.
• الجامعات الخاصة: وهى التى يمتلكها شخص ويتكسب منها، وقد بدأت كنوع من البيزنس ذات مصاريف عالية والبعض منها (وليس الكل) لا يسمح برسوب الطلاب، وهذا يضع علامة استفهام كبيرة على مستوى خريجيها.
هل الزيادة الكبيرة فى عدد الجامعات شىء طيب أم سيئ؟ إذا كان عدد الطلاب فى المرحلة الجامعية كبيرا فإن الزيادة فى عدد الجامعات شىء طيب لأنه يقلل من عدد الطلاب فى القاعات وبالتالى تتحسن العملية التعليمية شرط ألا تتحول إلى «بيزنس». لكن السؤال المحورى هنا: هل عندنا عدد كاف من أعضاء هيئة التدريس المتمكنين من تخصصاتهم لكل تلك الجامعات؟ إذا كانت الإجابة بلا فإن عدد الجامعات وعدد الخريجين لا يعنى شيئا، لأن مستوى التدريس سيكون منخفضا وسنرى خريجين مستواهم منخفض لا يفيدون سوق العمل بشىء. هذا يقودنا إلى الحديث عن أعضاء هيئة التدريس..
تعيين أعضاء هيئة التدريس فى الجامعات يختلف فى الداخل عنه فى الخارج خاصة فيما يتعلق بالجامعات الحكومية عندنا، لكن بالنسبة للجامعات الخاصة والأهلية فالموضوع أصبح مشابها للخارج. فى الجامعات الحكومية الدرجة الأولى فى التدريس الجامعى هو المعيد ويتم تكليفه من أوائل الدفعات. إذا الأمر تكليف وليس تعيينا. أوائل الدفعة هم الطلاب «اللى بتذاكر كويس» أى إن الموضوع لا علاقة له بمستوى التدريس. بالنسبة للجامعات فى الخارج والجامعات الأهلية والخاصة عندنا فالتعيين يكون عن طريق الإعلان ومقابلة إلخ ويتم التعيين تبعا لشهادة المتقدم وأبحاثه، وفى هذا أيضا القدرة على التدريس بكفاءة لا تمثل العامل الأكبر، بل القدرة على البحث العلمى، اللهم إلا فى الجامعات التى تقوم على التدريس فقط (أى لا تعطى درجة الدكتوراه). إذا موضوع التدريس لا يؤخذ بنفس جدية البحث العلمى. لأن الترقيات من مدرس لأستاذ مساعد لأستاذ تقوم على أساس البحث العلمى وليس التدريس.
حتى تتحسن العملية التعليمية عندنا يجب أن نقوم بإحدى الخطوتين:
• تعيين أساتذة للتدريس فقط وتكون ترقياتهم على أساس الإجادة فى التدريس (كيفية قياس تلك الإجادة موضوع كبير ومعقد فى حد ذاته)، لكن يجب أن يتم التعامل مع هؤلاء الأساتذة بنفس درجة التعامل مع الأساتذة التقليديين الذين يقومون بالبحث العلمى من حيث المرتب والتثبيت إلخ.
• إدخال معيار جودة التدريس فى ترقيات الأساتذة بحيث تكون على نفس درجة أهمية البحث العلمى.
نحن فى عصر العلم والتكنولوجيا ونحتاج إلى جيل متعلم تعليما من طراز رفيع ولن أكون مبالغا لو قلت إن فى العشر سنوات القادمة يجب أن نهتم بالتعليم فى الجامعات أكثر من البحث العلمى. هناك مراكز بحثية وظيفتها البحث العلمى. طبعا أتوقع أن يسخر الكثيرون من هذا المقترح لكن دعنى أسأل سؤالا: كم يا ترى عدد الأساتذة الذين يقومون بالبحث العلمى من باب «المنظرة» وحب الظهور بمظهر العالم الذى يتكلم عن «مجموعته البحثية» و«الطلبه بتوعه؟» سيظل هذا السؤال بدون إجابة لكن يكفى ما سيثير من تفكير.
من أهم المشكلات التى تواجه عضو هيئة التدريس فى الدول النامية هو تدنى المرتبات، وبالتالى سيضطر للعمل فى وظائف استشارية وما شابه حتى يتمكن من القيام بأعبائه المادية، مما سيترك وقتا قليلا للبحث العلمى أو للتحضير الجيد للمحاضرات. وهذا يقودنا إلى تأثير الاقتصاد على العملية التعليمية..
لا نستطيع أن ننكر أن الاقتصاد هو الذى يقود العالم الذى نحيا فيه فى هذا العصر وهناك علاقة متشابكة بينه وبين السياسة والتكنولوجيا، لذلك لا يجب أن نهمل العامل الاقتصادى عندما نتحدث عن العملية التعليمية. عندما يمس أى شخص موضوع مجانية التعليم بسوء فإنه يواجه بهجوم شرس وأنه طبقى إلخ، هنا يجب أن نضع عدة أمور فى الاعتبار:
• معظم الطلاب فى عصرنا هذا للأسف تريد ورقة الشهادة وليس التعليم. حاول أن تعطى محاضرة فى مرحلة البكالوريوس بدون تقييد الطالب بنسبة الحضور وسترى عدد من سيحضر.
• هناك مرحلة تعليمية يجب أن يصل إليها جميع الطلاب حتى يصبح عندهم حد أدنى من العلم اللازم للحياة، وهذه مرحلة مدرسية وليست جامعية.
إذا مجانية التعليم فى المرحلة الجامعية هى التى تحتاج إلى نظر. هناك طالب متفوق وآخر ضعيف. هناك طالب قادر ماديا وآخر غير قادر ماديا. هذا يعطينا أربعة أنواع من الطلاب:
• طالب متفوق وغير قادر ماديا: وهذا يستحق مجانية التعليم فى المرحلة الجامعية.
• طالب متفوق وقادر ماديا: وهذا يدفع جزءا من المصاريف وليست كلها جزاء تفوقه، وهذا الجزء يساهم فى دفع مصاريف الطلاب من النوع الأول.
• طالب غير متفوق وقادر ماديا: سيدفع المصاريف كاملة لأنها ستغطى مصاريف الطالب من النوع الأول والباقى للجامعة.
• طالب غير متفوق وغير قادر ماديا: هذا هو الجزء الذى يحدث فيه الجذب والشد. الطالب من هذا النوع لا يعتبر التعليم الجامعى مصدر قوته لكنه قد يكون موهوبا فى التعليم الفنى الذى نحتاجه بشدة، لكن النظرة المجتمعية عندنا تحتاج إلى تقويم فى هذا المضمار، فالطالب يفضل أن يكون مهندسا فاشلا وعاطلا عن أن يكون كهربائيا موهوبا ناجحا.
طبعا نجاح تلك المنظومة المكونة من أربعة أنواع من الطلاب يعتمد على عدم وجود فساد فى تحديد من هو الطالب المتفوق ومن هو الطالب غير القادر ماديا.
لإصلاح حال الجامعات من الناحية التعليمية نحتاج تضافر جهود علماء التربية والاقتصاد والاجتماع وإرادة واقتناع أن التعليم أمن قومى.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات