عائد إلى الحياة! - خالد سيد أحمد - بوابة الشروق
السبت 30 مايو 2020 5:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

عائد إلى الحياة!

نشر فى : الجمعة 8 مايو 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2020 - 9:40 م

لم يكن يتصور محمود محمد عبدالمجيد، أن حياته الهادئة البسيطة، التى لا تتخللها المفاجآت إلا نادرا، يمكن أن تنقلب فجأة رأسا على عقب، وتتحول فى لمح البصر إلى حياة أخرى لم يعهدها من قبل.. حياة مليئة بالقلق والخوف والصراع مع فيروس كورونا المستجد، الذى أراد احتلال جسده من دون إنذار مسبق.

«محمود» الذى يقترب من عامه الخمسين، خريج كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، لكن شأنه شأن الكثيرين لم يعمل بشهادته، وإنما سلك طريق العمل الحر. افتتح ــ بعد رحلة غربة شاقة ــ مصنعا صغيرا للنسيج فى مسقط رأسه بإحدى قرى الدقهلية. هو مالك المصنع والعامل الوحيد به.

فى نهاية مارس الماضى، شعر «محمود» بأعراض إنفلونزا عادية، وكعادته ذهب إلى الصيدلية لأخذ حقنة مضاد حيوى معتاد عليها كلما هاجمته الإنفلونزا. بعدها شعر بتحسن ثم عاد للعمل، لكنه أحس بنفس التعب مجددا، فذهب إلى الصيدلية لأخذ حقنة ثانية شعر بعدها ببعض التحسن، ثم توجه للقاهرة لتسليم بضاعة من مصنعه.

بعد عودته شعر بآلام أكثر، خصوصا ضيق فى التنفس وصداع وتعب فى كل جزء من أجزاء جسده. «كنت أشعر أن السقف يطبق على صدرى فلا أستطيع التنفس.. وقتها أدركت أن الواقعة قد وقعت وأننى أصبت بهذا الفيروس»، هكذا يقول.

لم يتأخر فى اتخاذ القرار، وتوجه على الفور إلى مستشفى الصدر بالمنصورة، الذى تعامل مع الحالة فى البداية على أنها التهاب رئوى حاد، وأعطوه العلاج اللازم وتم حجزه حتى تظهر تحاليل المسحة. شعر بعد العلاج بتحسن وبدأ فى التنفس بشكل طبيعى تدريجيا، حتى جاءت نتيجة المسحة.
«نتيجة تحاليلك أظهرت إصابتك بكورونا، وستنقل إلى مستشفى العزل فى تمى الأمديد».. هكذا أبلغه الأطباء.

دارت الدنيا بـ«محمود»، وشعر بأن الأرض التى يقف عليها غير ثابتة، وأن قدميه غير قادرتين على حمله، وبدأ شريط حياته يمر أمام عينيه فى ثوان معدودات.. تذكر طفولته وشبابه وأصدقاءه فى المدرسة والجامعة ورحلة الغربة وزواجه وميلاد أولاده ووالدته التى غيبها الموت منذ سنوات.. «كانت الصدمة الأولى العنيفة التى زلزلت كيانى وحياتى».. هكذا يصف «محمود» لحظة تحوله رسميا إلى مجرد رقم فى قائمة المصابين بفيروس العصر.

الصدمات كما المصائب لا تأتى فرادى، وفى حالة الإصابة بالوباء، تصبح الصدمات مثل عدد مرات الزواج المسموح بها فى الإسلام.. مثنى وثلاث ورباع.. أنت وحظك.. ربما أقل وربما أكثر!.

فى طريقه إلى مستشفى العزل بتمى الأمديد، تلقى «محمود» سريعا «الصدمة الثانية»، عندما علم أن زوجته وابنه الأكبر تم حجزهما فى مستشفى الصدر، حتى يتم إجراء التحاليل اللازمة لهما لمعرفة هل التقطا «كوفيدــ ١٩» أم لا؟

قضى «محمود» ليلته الأولى فى مستشفى العزل مستيقظا.. كيف له أن ينام وحياته على المحك، وزوجته وابنه الأكبر لا يعرف مصيرهما، والبعض من أهالى قريته يتعاملون مع ما أصابه على أنه وصمة عار لحقت به وبعائلته. فى صباح اليوم التالى تلقى أولى البشائر.. تحليل زوجته وابنه كان سلبيا وخرجا إلى بيتهما، فبدأ يهدأ قليلا.

مضت الأيام الخمسة الأولى فى مستشفى العزل، وجاء وقت إجراء التحليل اللازم لمعرفة حالته بعد تناوله العلاج. كانت ساعات قاسية. مرت عليه كأنها دهر من الزمان، ثم أتت اليه البشارة الثانية، بان تحاليله سلبية، وتم نقله بعد ذلك إلى المدينة الجامعية بالمنصورة لاستكمال العلاج.

معنويات «محمود» ترتفع، ومنسوب الأمل لديه يتزايد، وتراوده الأحلام فى أن يقضى أول أيام شهر رمضان بين أولاده، حتى تلقى «الصدمة الثالثة»، وهى أن التحاليل الجديدة التى أجريت له كانت إيجابية، وبالتالى لن يخرج حتى تتحول حالته إلى سلبية. كل شىء انهار فجأة.. تحول الأمل إلى يأس.. «شعرت أننى عدت مرة أخرى إلى سجن هذا الفيروس اللعين، بعد ظنى أن جسدى تحرر منه» يقول محمود.

حسب اللوائح الطبية وبروتوكولات العلاج التى تعتمدها وزارة الصحة، فإن التحليل الجديد فى مثل هذه الحالات ــ التى تكون إيجابية ــ لن يتم قبل اثنين وسبعين ساعة، وليس ثمانية وأربعين.. إذن عليه مواصلة الانتظار المر حتى يخرج من هذه المحنة، التى لا نهاية لها.

مرت الساعات وكأنها قرن، حتى تم إجراء تحليل جديد له أظهر تحول حالته إلى سلبية، وحسب اللوائح الطبية، يجب إجراء تحليل ثان له بعد ثمانية وأربعين ساعة للتأكد من تحرره تماما من الفيروس.. وقد كان.

عندما من الله عليه بالشفاء بعد هذه المعاناة الطويلة، كانت فرحته طاغية.. يقول «محمود» وهو يكاد يطير من السعادة «أشعر أن حياة جديدة أوشكت أن تبدأ.. سألتزم بالكمامة دائما وأحرص على التباعد الاجتماعى.. فأنا لم أعرف فى أى مكان أصبت أو من أى شخص تلقيت العدوى.. كل ما يهمنى الأن أننى عائد إلى الحياة بحرص وحذر».

التعليقات