نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالًا للكاتب العراقى وليد خدورى، تناول فيه مخاطر استنزاف حقل «غزة مارين» (المصدر الطاقوى الوحيد للفلسطينيين) فى خطط إعادة إعمار قطاع غزة، مشيرًا إلى التأثير السلبى لذلك على مستقبل الدولة الفلسطينية المنشودة.. نعرض من المقال ما يلى:
فى أواخر شهر يناير 2026، أُعلنَ عن بدء المرحلة الثانية من خطة «تحقيق الاستقرار وإعادة إعمار قطاع غزة». هذا الإعلان المهم يثير تساؤلات كثيرة ما زالت مطروحة بشأن كيفية العمل فى المشروع. لكن من الواضح أنّ هذا الإعلان يعدّ إشارة انطلاق المرحلة الثانية لإعادة إعمار القطاع.
نشرت صحيفة «معاريف» فى 11 فبراير الحالى مقالاً عن ميزانية الإعمار الضخمة المطلوب تأمينها لتنفيذ المشروع، وقد أعادت نشره باللغة العربية الدوريةُ اليومية «مختارات من الصحف العبرية»، الصادرة عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» فى بيروت، مشيرة إلى ما ذُكر فى المقال بأنه «يجدر التذكير بوجود حقل غاز فلسطينى قبالة سواحل غزة.. وقد جرت فى السابق عدة محاولات لتطويره، لكنها لم تنجح، وربما يمكن الآن دمجه فى عملية إعادة إعمار القطاع».
لكن الذى لم يذكره مقال «معاريف» أن حقل «غزة مارين» ليس فقط الحقل الغازى الوحيد المتوفر فى بحر غزة، بل هو أيضا من أصغر الحقول فى جنوب شرقى البحر المتوسط؛ لذا فمن الغريب أن يطالَب باستعمال إمدادات هذا الحقل الأصغر لتوفير الطاقة لتشييد «ريفييرا» جديدة.
هذا يطرح أسئلة عدة: هل احتياطى حقل من نحو 1.4 تريليون قدم مكعبة من الغاز كافٍ لتزويد الـ«ريفييرا» بالطاقة؛ بناطحات السحاب فيها وبالمؤسسات ذات الاستهلاك الضخم للطاقة؟ لماذا لا تمدها إسرائيل بالاحتياطى الغازى ذاته الذى يقدر بأكثر من تريليون متر مكعب، وفق تقديرات عام 2024؟
لقد استنزفت إسرائيل سابقاً حقل «مارى - ب» المحاذى للسواحل الفلسطينية؛ نتيجة تزويد السوق الداخلية الإسرائيلية بنحو 60 فى المائة من حاجتها للطاقة الغازية منه، قبيل اكتشافاتها الضخمة لاحقا؛ الأمر الذى جعل احتياطات حقل «مارى - ب» قابلة للنضوب، وفق «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية».
والسؤال الأهم: كيف ستستطيع السلطة الفلسطينية مستقبلاً توفير الطاقة لدولتها المنشودة (قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية) بعد استنزاف حقلها الطاقوى الوحيد الذى تسيطر عليه؟
تملك السلطة الفلسطينية حقل «غزة مارين»، وفق اتفاقية أوسلو؛ إذ إن «السلطة» هى المسئولة عن الاستكشاف والإنتاج النفطى فى بحر غزة، بينما إسرائيل مسئولة عن الناحيتين الأمنية والعسكرية فى البحر. وبالفعل، عملت «السلطة» منذ البداية على تحمل مسئوليات النفط فى بحر غزة، واختارت للعمل عليه بدايةً شركة «بريتش غاز»؛ التى أسست بدورها «كونسورتيوم» مع شركة «سى سى للنفط والغاز» المملوكة فلسطينياً والمسجلة فى اليونان وذات الخبرة فى المشروعات النفطية العربية (أقطار دول الخليج العربى والعراق)، بالإضافة إلى عملها فى مجال الاكتشاف والإنتاج فى سلطنة عمان واليمن.
اكتشف «الكونسورتيوم» حقل «غزة مارين» عام 1999، لكن الحكومات الإسرائيلية حاولت مرارا تعطيل وتأخير التطوير بإضافة شروط لم يُتفق عليها مسبقاً، مثل تزويد السوق الإسرائيلية والشركات الإسرائيلية بأسعار مخفضة، ومحاولة فرض تأسيس صندوق يودَع فيه الريع المالى لبيع الغاز لا يمكن السحب منه دون الموافقة الإسرائيلية؛ الأمر الذى رفضته السلطة الفلسطينية.
فعلى الرغم من اكتشاف الغاز فى بحر غزة قبل نحو ربع قرن، فإن الحقل لم يطوَّر حتى الآن. وقد اختارت «سلطة المصادر الطبيعية»، التابعة للسلطة الفلسطينية، لتطويره شركةَ «بريتش غاز»، التى اضطرت إلى الانسحاب لاحقا من المشروع، فى رد فعل على العقبات التعجيزية التى وضعتها الحكومة الإسرائيلية مرة تلو الأخرى دون مبرر فعلى أو قانوني. ثم اختارت «سلطة المصادر الطبيعية» بعدها شركة «شلّ» لتطوير الحقل، وقد انسحبت؛ هى أيضا، من المشروع للأسباب التعجيزية الإسرائيلية ذاتها.
على أثر ذلك، فوّضت «السلطة» كلاً من «الشركة المصرية العامة للحفر البحرى البترولى» وشركة «سى سى للنفط والغاز» للتطوير فى أوائل عام 2013، لكن العمل تأخر بسبب حرب غزة حينها.
يقع حقل «غزة مارين» على بعد 36 كيلومترا من ساحل غزة وعلى عمق 28 مترا تحت سطح البحر. والحقل مقسوم إلى قسمين؛ أولهما فى منتصف بحر غزة، والثانى «حدودى» يميل باتجاه حدود المياه الإسرائيلية الجنوبية الشرقية. وتقول المعلومات المتوافرة إن احتياطى الحقل بقسميه يقدر بنحو 1.4 تريليون قدم مكعبة، وهذا ليس فقط ضئيلاً نسبيا؛ بل كذلك يشكل المصدر الطاقوى الوحيد الذى تملكه «السلطة»؛ مما يستوجب مشاورات عدة لاتخاذ القرارات المناسبة عند المضى فى تطوير الحقل.
السؤال هنا: هل تطوير الحقل قبالة شواطئ غزة يمكن أن يسهم فى إعادة إعمار القطاع؛ خصوصاً مع احتياطاته الغازية المنخفضة، ومع تلك الغازية الضخمة نسبياً لدى إسرائيل، واستهلاك الطاقة العالى المتوقع فى الأراضى الفلسطينية مستقبلاً؟ وكيف ستستطيع هذه الأراضى أو الدولة المنشودة للفلسطينيين، التى وافقت عليها الغالبية الساحقة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، المضى قدماً دون مصدر طاقوى واحد يوفر لها متطلَّباً ضرورياً للعيش والاستمرارية.