هل يمكننا تصديق أن إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تأثرت وتألمت كثيرًا للدماء الإيرانية التى سقطت خلال التظاهرات الواسعة التى جرت فى البلاد احتجاجًا على سوء وتردى الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، الأمر الذى دفعها إلى التهديد بعمل عسكرى حاسم ضد النظام الحاكم فى طهران؟
بالتأكيد يصعب على الكثيرين «هضم» أو الاقتناع بمثل هذا الحديث، الذى لا يعدو عن كونه مجرد مبررات وحجج واهية لاستغلال المعاناة الحقيقية التى يواجهها الشعب الإيرانى سواء سياسيًا أو اقتصاديًا، من أجل تضييق الخناق وتشديد الحصار على النظام الحاكم فى البلاد، لدفعه إلى التخلى عن توجهاته المناهضة والمعادية للولايات وإسرائيل، وكذلك مشاريعه التوسعية فى المنطقة.
فالولايات المتحدة لا تكترث أبدًا لحقوق وتطلعات الشعوب فى التحرر من الاحتلال والقمع والاستبداد، بل إنها تدعم وتساند بكل قوة الاحتلال الصهيونى، وتوفر له مظلة سياسية ودبلوماسية واسعة لحمايته من الحساب والمساءلة عن جرائم التدمير والقتل والإبادة التى ارتكبها ضد الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة على مدى عامين.
ليس هذا فحسب، بل إن الولايات المتحدة تضرب بعرض الحائط قواعد القانون الدولى، وتهدم الأسس التى تنظمه، وتمنح لنفسها الحق فى انتهاك سيادة الدول وخطف رؤسائها، مثلما حدث مؤخرًا مع الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، بل إن ترامب نفسه قال صراحة وبدون مواربة عندما سُئل عما إذا كانت هناك أى حدود لعملياته فى الخارج: «نعم، هناك شىء واحد.. أخلاقى.. إنها الشىء الوحيد الذى يمكن أن يوقفنى.. لست فى حاجة إلى قانون دولى».
أمام هذا الواقع لا يمكن أبدًا تصديق أن الولايات المتحدة تنتصر لحقوق الإنسان فى إيران، أو أنها قد تخوض مواجهة عسكرية من أجل إنقاذ الشعب الإيرانى من الاستبداد والقمع والتسلط الذى يتعرض له، بل إن مبرر «حقوق الإنسان» لا يعدو عن كونه مجرد «قميص عثمان» الذى ترفعه الإدارة الأمريكية من آن لآخر لتحقيق أهداف سياسية بحتة، أهمها إزاحة نظام الحكم فى إيران، ووأد رغبته فى امتلاك السلاح النووى.
هل يعنى ذلك أن النظام فى إيران برىء وضحية؟ بالتأكيد لا. فقد ارتكب الكثير من الأخطاء والخطايا خلال السنوات الماضية، سواء داخليًا عن طريق تضييق الخناق على مواطنيه وتقييد حريتهم وعدم الاهتمام بتحسين أحوالهم الاقتصادية والمعيشية، أو خارجيًا عبر التورط فى الدعم المالى والعسكرى الواسع للكثير من القوى المحلية فى دول المنطقة، وجعلها دولة داخل الدولة كما هو الحال فى اليمن ولبنان والعراق، مما هدد قدرة تلك الدول على بسط سيادتها على أرضها!
هذه الأخطاء التى ارتكبها النظام الإيرانى على مدى سنوات أضعفت مناعة بلاده بشكل كبير أمام أى هزات شعبية داخلية، بل وفتحت الطريق أمام أطراف خارجية مثل الولايات المتحدة للتدخل السافر فى شئونها الداخلية.
الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان وضع يده على أصل المشكلة وقال فى تصريحات له الأربعاء الماضى تعليقًا على الاحتجاجات الكبيرة التى شهدتها البلاد فى الأيام الأخيرة إن «كسب رضا المواطنين يمثل عاملًا أساسيًا فى تقليص تأثير الضغوط التى تتعرض لها البلاد».
القضية الأساسية التى ينبغى على النظام الإيرانى الاهتمام بها فى الوقت الراهن هى «كسب رضا المواطنين»، لكن ذلك لن يتحقق ما لم يكن هناك قناعة حقيقية بضرورة تعديل المسار ومعالجة الأخطاء الهائلة التى ارتكبها بحقهم أولًا، وفى محيطه الإقليمى ثانيًا، حتى لا يمنح أعداءه أى فرصة أو مبرر للنيل من استقرار بلاده وأمنها.
ما زال خطر تعرض إيران لهجوم أمريكى قائمًا بالفعل وبنسبة كبيرة، رغم تأكيد ترامب أن «عمليات القتل أو الخطط لإعدام المحتجين الذين ألقى القبض عليهم خلال التظاهرات الأخيرة قد توقفت بالفعل». ومن ثم فإن النظام فى إيران لا يمتلك رفاهية الوقت، وعليه البدء فورًا فى مد الجسور مع مواطنيه وتلبية مطالبهم المشروعة، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، ومحاسبة من تسبب فى إراقة دماء بعضهم خلال الاحتجاجات الأخيرة.