جسد تجدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرة أخرى، وذلك بعد ثمانية أشهر فقط من وقف إطلاق النار فى أعقاب حرب الإثنى عشر يومًا السابقة التى شنتها إسرائيل ضد إيران وانضمت لها الولايات المتحدة الأمريكية فى يومها قبل الأخير والتى جرت فى يونيو 2025، التخلى عن اللجوء إلى الخيارات السلمية الدبلوماسية من خلال قنوات التفاوض، سواء السرية أو العلنية، المباشرة أو غير المباشرة، واللجوء بالمقابل إلى خيار شن الحرب وإطلاق العنان للعمليات العسكرية، وهو خيار من الثابت أنه أكثر صراحةً ووضوحًا ومباشرةً هذه المرة، من الجانبين الأمريكى والإسرائيلى، من الحالة السابقة فى حرب يونيو 2025.
وسوف نركز فى هذا المقال على جدلية العلاقة بين اللجوء للخيارات الدبلوماسية واللجوء للخيارات العسكرية؛ حيث إن الواقع يؤكد أن وجهًا للتشابه بين الحرب الأمريكية الإسرائيلية فى يونيو 2025 والحرب من نفس الطرفين، وضد إيران فى الحالتين، التى بدأت فى 28 فبراير 2026، كان هو أن الحرب تندلع فجأة بينما هناك، فى الحالتين، عملية تفاوضية أمريكية إيرانية، وإن كانت غير مباشرة، وفى الحالتين بوساطة نشيطة من سلطنة عمان، حول الملف النووى الإيرانى، المفترض أنه موضوع الخلاف الرئيسى محل التفاوض بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ولا يتوقف وجه التشابه فى الحالتين على ذلك فقط بل يتعداه إلى حقيقة أن الحرب يتم شنها على إيران بعد وقت قليل من إعلان الوسيط العمانى وكذلك المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون عن أن المحادثات غير المباشرة تشهد تقدمًا ملحوظًا، وهو الأمر الذى يثير عددًا من التساؤلات المهمة التى تتعلق بالعلاقة بين الخيار العسكرى والخيار الدبلوماسى فى الحالتين.
أما التساؤل الأول فيتناول مصداقية اللجوء الأمريكى إلى الحل الدبلوماسى التفاوضى فى المقام الأول، أى هل كانت هناك جدية لدى الإدارة الأمريكية الحالية فى اعتماد حل دبلوماسى أم أنها أظهرت للعالم الخارجى أنها تنتهجه فقط من جهة بغرض جذب أنظار دول العالم والرأى العام العالمى بعيدًا عن نواياها فى شن الحرب على إيران أيًا كانت نتائج مسار العملية الدبلوماسية التفاوضية، ومن جهة أخرى بغرض إعطاء انطباع مضلل للجانب الإيرانى بأن واشنطن لن تلجأ إلى القيام بعمليات عسكرية مما يضفى حالة من التراخى على استعدادات وإجراءات احترازية من جانب طهران للتحسب للهجوم الأمريكى/ الإسرائيلى.
وننتقل إلى تناول التساؤل الثانى، وهو معنى بتفسير ما إذا كانت الإدارة الأمريكية كانت جادة فى اتباع المسار الدبلوماسى وفى الانخراط فى العملية التفاوضية إلا أنها، وفى الحالتين، أى قبيل حرب يونيو 2025 وقبيل حرب فبراير 2026، أدركت من معطيات التفاوض أنها لن تحصل على النتائج التى تتطلع إليها بواسطة السبل الدبلوماسية، ومن ثم غيرت من اتجاه حركتها واعتمدت خيار العمليات العسكرية، وذلك بالتعاون والتنسيق الكامل المسبق مع الحكومة الإسرائيلية.
أما التساؤل الثالث فهو المعنى بسبب عدم الرهان على قدرة الوسيط العمانى على النجاح فى تقريب وجهات النظر بين الطرفين فى المفاوضات، أى الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، خاصة أنه بحسب تصريحات وزير الخارجية العمانى، وكذلك تصريحات وزير الخارجية الإيرانى وبعض كبار المفاوضين الأمريكيين فى المباحثات قبل شن الحرب بساعات، فإن المفاوضات كانت قد حققت تقدمًا ملحوظًا، وإن لم تكن قد حققت نجاحات نهائية أو توصلت إلى صياغة اتفاق عام على كل المسائل المثارة التى هى محل خلاف بين البلدين، ولكن كانت آفاق استمرار العملية التفاوضية يمكن أن توجد فرصًا لتحقيق المزيد من التقدم.
وللتعامل مع التساؤلات الثلاثة المذكورة فيما سبق يتعين عرض عدد من المعطيات، أولها أنه من الثابت فى كل الأحوال، وطبقًا لما أعلنته العديد من المصادر الرسمية الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء على مدار الأيام المنقضية منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية، أن التنسيق الأمريكى الإسرائيلى لشن الحرب الأخيرة تم منذ عدة أشهر وأن تحديد موعد شن هذه الحرب تم بالفعل بالاتفاق بين الطرفين منذ عدة أسابيع.
وثانى هذه المعطيات هو أن الجدية فى انتهاج المسلك الدبلوماسى التفاوضى كانت تستوجب أن يتم تفادى حدة خطاب المواجهة التصعيدى على المستويين السياسى والإعلامى وإلقاء الثقل وراء سلسلة من الجهود الدبلوماسية غير المعلنة، مباشرة أو بواسطة أطراف ثالثة، لنزع فتيل التوترات السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على خلفية الموضوعات الخلافية وفى مقدمتها الملف النووى.
أما ثالث هذه المعطيات فهو العلاقة بين الاحتجاجات الشعبية الداخلية الواسعة فى إيران ضد سياسات الحكم القائم والتى جرت فى شهر يناير من عام 2026 وبين قرار الإدارة الأمريكية بانتهاج الخيار العسكرى فى التعامل مع الملف الإيرانى وهجر الخيارات الدبلوماسية؛ حيث إنه من الواضح أن هذه الاحتجاجات إما شجعت الإدارة الأمريكية على المضى قدمًا، بل والإسراع، بشن الحرب على إيران فى ضوء تولد قناعة بأن الاحتجاجات أضعفت من قبضة الحكم الإيرانى على مفاصل الدولة، خاصة وأن الرئيس الأمريكى قد خرج علنًا ليدعم المحتجين ويحذر السلطات الإيرانية من التصدى لهم كما وعد المحتجين بالدعم الأمريكى لهم، وما تقدم لا ينفى دفع البعض بأنه ربما هناك بعض الدور للولايات المتحدة الأمريكية، بل وربما لإسرائيل أيضًا، فى الاتصال ببعض المعارضين داخل إيران أو المعارضين خارج إيران والذين لهم أنصار فى الداخل وحثهم على التحرك ضد الحكم الإيرانى.
وفى الختام، فإنه من وجهة نظر علم وفن الدبلوماسية فإن التعامل مع الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كان يجب اتباع أساليب هادئة وبعيدة عن الضجيج فى التعامل معها إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية وجدية فى تسوية النزاعات وتخفيف حدة التوترات بالطرق السلمية، ولا يكون التعامل من خلال تصعيد الضغوط العلنية فى وسائل الإعلام وعلى الملأ، أو عبر اتباع استراتيجية «حافية الهاوية» الشهيرة، وهى الشبيهة بتلك السياسة التى اتبعتها واشنطن فى عقد الخمسينيات من القرن العشرين فى الشرق الأوسط وحققت حينذاك فشلًا ذريعًا، وكان المفترض أن يكون التواصل الدبلوماسى، الذى يمكن أن يتسم بالكفاءة والفعالية ويؤدى إلى الوصول إلى تحقيق نتائج إيجابية، لتسوية النزاعات سلميًا بين واشنطن وطهران، هو ما يتم من اتصالات، سواء مباشرة أو عبر أطراف ثالثة، من خلف الأبواب المغلقة. إلا أنه من الواضح أن واشنطن، وبالتنسيق والتعاون مع تل أبيب، قد ارتأت اتباع نهج التصعيد والعمل العسكرى ضد إيران وأن ذلك النهج أكثر نجاحًا، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية الحالية، لتحقيق أهدافها إذا ما تم مقارنته بالمسار الدبلوماسى. وستجيب الأيام القادمة على الأسئلة بشأن مردود هذه الحرب وهل ستحقق فعلًا أهداف واشنطن أو تل أبيب أم ستأتى الرياح، بالنسبة لهما، بما لا تشتهى السفن.