لويزيانا.. وزيارة لإرث موسيقى الجاز والعبودية - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 3:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


لويزيانا.. وزيارة لإرث موسيقى الجاز والعبودية

نشر فى : الخميس 11 مارس 2021 - 7:40 م | آخر تحديث : الخميس 11 مارس 2021 - 7:40 م

للجنوب الأمريكى حكاياته، الإيجابية منها والسلبية، خصوصا فى ولاية لويزيانا ومدينتها الأشهر نيو أورليانز، التى يعبرها نهر المسيسيبى قبل تمازجه مع مياه خليج المكسيك، مدينة متماهية مع بحيرتى بونتشارتراين وبورنى. تدرك منذ اللحظة الأولى لوصولك إلى مطار مدينة نيو أورليانز أنك أمام مدينة وولاية مختلفتين. فقد أطلق على المطار اسم مغنى الجاز الأسطورى لويس أرمسترونج، الذى ولد فى المدينة لأسرة من أصول إفريقية فقيرة فى بدايات القرن الماضى، وتعلّم عزف الموسيقى فى شوارع المدينة، وصعد نجمه ليصبح ملك موسيقى الجاز، وهو الذى نجح فى نقل هذا النوع من الموسيقى والغناء لما وراء مجتمع الأمريكيين الأفارقة ليصبح لونا موسيقيا أمريكيا خالصا. وعلى الرغم من عدم كون أرمسترونج ناشطا حقوقيا أو داعية سياسيا، فإن موسيقاه دعمت النظرة الإيجابية تجاه الأمريكيين الأفارقة، وأثّرت إيجابيا على دحض مقولات العنصرية والاستعلاء الأبيض التى لا تزال تسيطر على عقول الكثيرين فى ولايته الأم.
***
ويرجع اسم ولاية لويزيانا إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر. وكانت الولاية لعقود طويلة إحدى أهم المستعمرات الفرنسية فى أمريكا الشمالية. لكن بدايات لويزيانا الحديثة جاءت عام 1528 عندما اكتشفها الإسبان وأصبحت جزءا من المستعمرات الإسبانية قبل أن تقع فى يد الفرنسيين عام 1682. ثم خسرها الفرنسيون لصالح بريطانيا عقب الهزيمة فى حرب السنوات السبع عام 1763، وذلك قبل أن يستعيدها نابليون بونابرت لفرنسا عام 1800، ثم باعها بثلاثة ملايين دولار للدولة الأمريكية الوليدة عام 1812.
وتتميز الولاية اليوم بتزاوج فريد بين حقب تاريخية مختلفة ذات مزيج إسبانى فرنسى بريطانى أُضيف إليه استقدام مئات الآلاف من الأفارقة، ممن كانوا عبيدا فى الماضى. وشكّل هذا الأمر نكهة وطبيعة خاصة لا يوجد لها مثيل فى بقية الولايات المتحدة، سواء كان ذلك فى نوعية المأكولات المحلية المتوافرة أو الطبيعة الموسيقية، ناهيك عن طريقة ونوعية وطراز البناء والمعمار.
ويبلغ عدد الأفارقة الأمريكيين اليوم ما لا يقل عن ثلث عدد سكان الولاية البالغ 4.6 مليون شخص. من هنا يظهر بوضوح تراث العبودية الذى لم تشهد ولاية أخرى مثيلا له فى القسوة والتطرف. ويدل ذلك على أن التفرقة العنصرية ما زالت حاضرة بقوّة فى لويزيانا.
وبسبب طبيعة نيو أورليانز، كانت المدينة واحدة من أهم مراكز استقبال العبيد عند وصولهم لأمريكا الشمالية، وكانت فيها لسنوات أكبر صالة مزادات بيع وشراء العبيد فى شمال أمريكا.
***
وشهدت لويزيانا ولا تزال جدلا كبيرا حول النصب التذكارية لرموز الجنوبيين فى الحرب الأهلية التى شهدتها الولايات المتحدة، بين الولايات الشمالية بقيادة الرئيس إبراهام لينكولن والولايات الكونفيدرالية الجنوبية. وبالفعل أزالت الولاية عددا من التماثيل الكبيرة لقادة جنوبيين من أنصار استمرار العبودية أو من أنصار «سمو الجنس الأبيض»، مثل الجنرال روبرت لى، أو السياسى الجنوبى الشهير، رئيس الكونفدرالية الجنوبية جيفرسون ديفيز، أو الجنرال بى جى بيرغراد. وتم تحريم العبودية بموجب التعديل الـ13 للدستور، وهو ما لم يكن له صدى إيجابى ضمن سكان ولاية لويزيانا من البيض. لكن تبقى هناك عشرات المدارس والمؤسسات الحكومية التى تتخذ من أسماء قادة الحرب الأهلية الجنوبيين أسماء لها. ويدور الجدل حول أهمية الاحتفاظ بالتاريخ، لكن من الناحية الأخرى يكون من الصعب على التلاميذ الأمريكيين الأفارقة الجلوس فى مدارس تحمل أسماء دعاة استمرار العبودية والمتاجرة بهم.
وتقع الولاية ضمن الحزام الإنجيلى الجنوبى، من هنا لم يكن مفاجئا فوز الرئيس دونالد ترامب بها فى انتخابات 2016 ثم انتخابات 2020 وحصل المرشح الجمهورى على مقاعد الولاية الثمانية فى المجمع الانتخابى مرتين.
ويمثل الولاية سيناتوران جمهوريان فى مجلس الشيوخ، بيل كاسيدى وجون كينيدى، فى انعكاس لهوية الولاية المحافظة. أما ممثلو الولاية فى مجلس النواب، فمن بين الأعضاء الستة لا يوجد إلا عضو ديمقراطى واحد. ويدل ذلك على سيطرة الحزب الجمهورى على الشأن السياسى فى الولاية.
***
فى عام 1724 صدر قانون عرف باسم «كود نوار»، ونظّم علاقة فرنسا بمستعمراتها وعلاقة مستعمراتها بالعبيد، وفُرض فيه تخصيص يوم الأحد من كل أسبوع كعطلة من العمل للعبيد، إضافة لذلك طالب القانون ملّاك العبيد بتوفير ساحة أو مكان واسع ليلتقى فيه العبيد بعضهم البعض. وبالفعل خُصصت ساحة واسعة تجاور الحى الفرنسى بالمدينة، وسمى هذا المكان بميدان الكونغو، وهو اليوم جزء هام ومزار تاريخى داخل حديقة لويس أرمسترونج بقلب مدينة نيو أورليانز. ولعقود طويلة تجمّع الأفارقة صباح يوم الأحد للصلاة وللرقص والغناء الحزين والشكوى لبعضهم البعض مما يعانونه من ويلات استعبادهم.
يرى بعض المؤرخين أن ميدان الكونغو هو مهد موسيقى الجاز والبلوز والتى تعكس الموسيقى التقليدية التى جلبها العبيد معهم من غرب إفريقيا. واستمر تجمّع الأفارقة السود حتى بعد انتهاء العبودية، وأصبحت مكانا جذابا لمن يريد ممارسة الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية الإفريقية، خاصة آلات النفخ والطبول.
ولن يفوت الزائر للمدينة سيطرة نمط الحياة البطىء الذى يتميز به جنوب الولايات المتحدة بصفة عامة مقارنة بولايات الشمال. وتشتهر نيو أورليانز أيضا بوجود حانات عديدة فى حيها الأقدم «الحى الفرنسى» الذى يقع قبالة حديقة أرمسترونج. وتعد السياحة من أعمدة اقتصاد المدينة لدرجة كبيرة، خاصة مع تنوع الحى الفرنسى بنوع وطراز مَبانٍ فرنسية تماما، وتزدحم شوارع الحى بالحانات التى لا تغلق أبوابها إلا مع سطوع شمس اليوم التالى، وتعج بالفنادق والمطاعم. ويتوسط الحى الفرنسى جاكسون سكوير، الذى سُمّى على اسم الرئيس السابق أندرو جاكسون الذى قاد بلاده للانتصار فى معركة نيو أورليانز ضد القوات البريطانية إبان حرب الاستقلال. ويعد شارع بوبون القلب النابض للحى الفرنسى، حيث تكثر فيه المطاعم والبارات، وهو شارع الاحتفالات الرئيسية فى المدينة، لكن يحذر من زيارته ليلا لكثرة المشرّدين والسكارى. لذا تفضل زيارته قبل ساعات الليل الأخيرة، ولا يفوتكم تناول الحلوى الشهيرة بالمدينة والتى يطلق عليها «البينيه».

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات