لم تكن القضايا الخارجية التى تعامل معها الرئيس دونالد ترامب خلال عام 2025 أزمات مؤقتة قصيرة الأجل، بل مثلت تحديات هيكلية طويلة الأمد تستمر خلال 2026، وربما لما بعدها؛ مثل مستقبل حلف شمال الأطلسى (الناتو)، ومصير الحرب فى أوكرانيا، وعدم الاستقرار فى الشرق الأوسط، والرغبة فى إسقاط النظام الحاكم فى فنزويلا، واستمرار المنافسة الاستراتيجية مع الصين.
منذ وصوله إلى الحكم للمرة الأولى فى يناير 2017، ونجاحه فى الوصول إلى البيت الأبيض للمرة الثانية فى يناير 2025، يحاول الخبراء والمراقبون داخل الولايات المتحدة وخارجها استيضاح طبيعة محركات الرئيس ترامب فى قضايا السياسة الخارجية عموما، وما يتعلق بالشرق الأوسط خصوصا. ويعقد من صعوبة الإجابة غيابُ إطارٍ أيديولوجى يشكل مرجعية لترامب؛ فبعيدا عن التزامه العام بمبدأ «أمريكا أولا»، لا يُعرف عنه اتباع نهج محدد تجاه قضايا ومصالح واشنطن فى المنطقة. وتضمنت استراتيجية الأمن القومى الجديدة تطلعا صارما من الرئيس للحفاظ على مكانة أمريكا كأقوى وأغنى دولة فى العالم لسنوات قادمة.
وفى خطاب تنصيبه الثانى فى يناير الماضى، أعلن ترامب أن بلاده ستعتبر نفسها مرة أخرى أمة متنامية، و«دولة تزيد ثروتنا، وتوسّع أراضينا، وتبنى مدننا، وترفع سقف توقعاتنا، وتحمل علمنا إلى آفاق جديدة وجميلة». ولم يتوقع أحد أن يتعامل ترامب مع الشئون المحلية والقضايا العالمية فى فترة حكمه الثانية والأخيرة مثل أسلافه من الجمهوريين أو الديمقراطيين، إلا أنه لم يتوقع أحد أيضا السرعة الفائقة التى يتحرك بها لإعادة توجيه السياسات الخارجية بعيدا عن المسارات المستقرة التى قبلتها النخب السياسية المتنافسة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وفور بدء رئاسته الثانية، أعلن عن عدة خطوات توسعية؛ بدأت برغبته فى شراء جزيرة «جرينلاند» من الدنمارك، مرورا بالسيطرة على قناة بنما الخاضعة لسلطة جمهورية بنما، وصولا إلى فكرة ضم كندا كالولاية الأمريكية رقم 51. وسبق أن عرض كذلك فكرة امتلاك بلاده لقطاع غزة وتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، إلا أنه تراجع لاحقا عن هذا الطرح.
جعل ترامب من «بنما وقناتها» حالة اختبار مزدوجة لاثنين من أكبر أولوياته؛ إذ يرى قطاع كبير من المحللين أن خطابه يمثل محاولة ابتزاز للحصول على المزيد من الأموال، وربما لدفع بنما بعيدا عن النفوذ الصينى، كما اعتبرها البعض استراتيجية للضغط عليها لبذل مزيد من الجهد لمنع الهجرة غير النظامية. وقبل انتهاء العام بأيام قليلة، اختار ترامب حاكم لويزيانا «جيف لاندرى» لمساعدة إدارته فى جعل جرينلاند جزءا من الولايات المتحدة. أما عن ضم كندا، فلم يتراجع عن تصريحاته؛ فرغم رفض العديد من المراقبين فى البداية أخذها على محمل الجد، فإن ترامب كرر قوله: «أود أن أرى كندا تصبح الولاية الـ51»، وهو ما يثير الدهشة والمخاوف معا.
• • •
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحتى الآن، قادت واشنطن النظام العالمى وصممت شكل مؤسساته ومعادلات توازناته، ولم يتأثر ذلك بهوية ساكن البيت الأبيض أو ميوله الشخصية. إلا أن ترامب، خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من فترة حكمه الثانية، لجأ إلى اتباع نهج «القوة الخشنة» بصورة تجاهل معها كل الأعراف والقيم الدولية التى غلب على رؤساء أمريكا احترامها. وخلال خطاب تنصيبه، استخدم عبارات حازمة عبّرت عن قوة إيمانه بتبنى سياسات صارمة، قائلا: «بصفتى القائد الأعلى للقوات المسلحة، ليس لدى مسئولية أعلى من الدفاع عن بلادنا من التهديدات والغزوات، وهذا بالضبط ما سأفعله على مستوى لم يشهده أحد من قبل». وأضاف: «لن نستسلم للهزيمة، ولن نخضع للترهيب، ولن ننكسر.. من هذا اليوم فصاعدا، ستكون الولايات المتحدة أمة حرة وذات سيادة ومستقلة».
ودفعت تصورات ترامب بأن بلاده تتعرض للاستغلال من منافسيها وحلفائها إلى البدء فورا فى تبنى سياسات مغايرة، شملت فرض تعريفات تجارية غير مسبوقة، واستخدام لغة دبلوماسية حازمة، واستخدام القوة خارجيا ضد إيران، واليمن، وفنزويلا، وسوريا، ونيجيريا.
• • •
ركزت استراتيجية الأمن القومى التى صدرت فى بداية الشهر الماضى على دور ترامب «كصانع سلام» فى مناطق التوتر العالمية، حيث دفعه سعيه للحصول على جائزة نوبل للسلام للترويج لنفسه كوسيط أنهى 8 حروب دولية. ومع فشله - حتى الآن - فى إيقاف الحرب بأوكرانيا مع تصميم روسيا على ضم كل أراضى إقليم دونباس، وعدم قدرة كييف على استرجاع أراضيها المحتلة، يبقى وقف العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة بمثابة الإنجاز الأهم لترامب فى سياسته الخارجية خلال عام 2025، ومع تأخر البدء فى تنفيذ المرحلة الثانية من خطته ذات الـ20 نقطة، سيظل ملف غزة من أهم قضايا السياسة الخارجية الأمريكية على مدار عام 2026.
كما كشفت استراتيجية الأمن القومى عن تطلعات مباشرة للرئيس ترامب فيما يتعلق بالشرق الأوسط، تضمنت اختلافات جذرية عن بعض ثوابت السياسة الأمريكية التقليدية تجاه المنطقة، إذ عكست الاستراتيجية رغبة ترامب فى بقاء بلاده كقوة كبرى مهيمنة على الشرق الأوسط، وسط حالة من التنافس الدولى، دون أن يرتبط ذلك بدور عسكرى ضخم أو مباشر.
ترى الاستراتيجية أيضا أن مشهد المنطقة تغير بشكل جعل العديد من العوامل القديمة «أقل إلحاحا»، مع التركيز فقط على منع أية قوة معادية من السيطرة على الموارد الحيوية والممرات المائية. واعتبر ترامب أن ساحة الشرق الأوسط تتجه نحو شراكة مع واشنطن تعتمد على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا، دون ممارسة ضغوط لتبنى إصلاحات سياسية أو ديمقراطية.