فتاوى تحريم فوائد البنوك بدون دلائل قطعية! - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الخميس 30 يونيو 2022 2:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

فتاوى تحريم فوائد البنوك بدون دلائل قطعية!

نشر فى : الثلاثاء 12 أبريل 2022 - 7:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 أبريل 2022 - 7:10 م
فى كل مشكلة مجتمعية تستلزم تدخل رجال الدين لا نجد من بعض الفقهاء إلا فتاوى تأتى بشكل أوامر «عسكرية»، أى أن كل فقيه يملى علينا فتواه دون أن يبرر لها أو يدلل عليها! هذا ليس فى الحقيقة خاصا برجال الدين، ولكن هذا هو أسلوب حياة بُنِى عليه مجتمعنا، فالأطفال فى حضاناتهم، والصبية والصبايا فى مدارسهم، والطلاب والطالبات فى الجامعات والمعاهد العليا، والأبناء والبنات فى أسرهم، والشباب والشابات فى منتدياتهم ومجتمعاتهم المهنية أو الرياضية، يتلقون أوامر من أولياء أمورهم، أو من رؤسائهم فى أعمالهم دون شرح أو تدليل لأسباب أوامرهم، فى الواقع هذا نتيجة نظامنا التعليمى المعتمد على النظام التلقينى أو الاستقرائى (inductive system)، والذى تحاول الدولة جاهدة تغييره بالنظام الاستنتاجى أو الاستنباطى (deductive system)، وللأسف يعارضه كثير من الناس، لأن النظام الأول يستدعى الحفظ دون التفكير، بينما الثانى يتطلب التفكير والاعتماد على النفس لا على الدروس الخصوصية، فيخلق مواطنًا «مُبدعًا» لا «مُقلدًا»!
هذا ما كشف عنه الرياضى العالمى محمد صلاح فى لقائه مع الفنانة إسعاد يونس فى برنامجها «صاحبة السعادة»، فعندما سألته عن الفارق الجوهرى الذى لاحظه بين تدريباته فى النوادى المصرية وبين النوادى الأوروبية، فكان رده أن اللاعب فى مصر عليه تنفيذ أوامر المدرب بلا نقاش وإلا تعرض لعقوبات، أما فى النوادى الأوروبية العديدة التى تعامل معها فالعلاقة بين المدرب واللاعب هى «المشاركة» فى الآراء، فلا توجد أوامر من المدرب، وإنما توجد آراء متبادلة فى الاتجاهين، وأكد أن هذه العلاقة هى أفضل وسيلة تؤدى للنجاح!
•••
ومن موضوعات الساعة ــ وهى وثيقة الاتصال بما سبق قوله ــ أن ارتفع سعر الدولار، وبالتالى انخفض سعر الجنيه المصرى مقابل كل العملات الأجنبية، وهذا معناه ارتفاع أسعار كل السلع سواء غذائية أو صناعية أو استهلاكية، وفى مقابل هذا أصدرت الحكومة المصرية حزمة من الإجراءات المالية التى يمكن من خلالها تخفيف الأعباء على المواطنين، وكان من بينها إصدار شهادات استثمار جديدة بفوائد مرتفعة لتعويض المودعين عن خسائر الجنيه، وعلى الفور انتهز الفرصة المتطرفون وأدعياء التدين وأنصاف المتعلمين الذين يحفظون عبارات ومصطلحات وآيات قرآنية دون أن يفهموا مضمونها، لإدانة الحكومة بأنها تتعامل «بالربا»، فيصرفون بذلك الناس عن التعامل مع البنوك، وبالتالى تزداد أزمات الناس المالية مما يهدد السلام الاجتماعى فى البلاد، وهذا هو غايتهم!
ومن المفارقات أن من يصفون فوائد الشهادات الاستثمارية بالربا يحللون الاتجار بالعملات الأجنبية فيخلقون سوقًا سوداء، تكون أخطر نتائجه حدوث تضخم يضر بالاقتصاد الوطنى، وبمصالح المواطنين، وهذا هو ما يطلق عليه ربا «الفضل»؛ لأنه بيع من نفس النوع «مال بمال»، وقد أجمع العلماء على حُرمانيته؛ فمن المعروف أن الربا ينقسم إلى نوعـين: الأول ربا «النسيئة» من النسىء وهو التأجيل، والثانى ربا «الفضل» أى الزيادة ولو من دون تأخير، وهو من البيوع المحرمة كما جاء فى الحديث النبوى: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل (...) ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض أى لا تزيدوا».
وأما ربا «النسيئة» فهو أن يعطى شخص لآخر ألف جنيه (على سبيل المثال) ويتفق معه على تسديد المبلغ بزيادة مائة جنيه بعد مرور سنة، فهذا لا حرمانية فيه ــ كما أقره العلماء ــ لأنه بالاتفاق بين اثنين، وبرضائهما، ولكنه يُحرم فى حالة إذا لم يستطع الطرف الثانى (المدين) تسديد مبلغ الألف ومائة جنيه فى الموعد المحدد، فيطلب منه الطرف الأول: الدائن (صاحب المال الأصلى الذى أعطاه ألف جنيه) مضاعفة المائة جنيه لتصبح فرضًا مائتين مقابل تأجيل الاستحقاق سنة ثانية، فيكون إجمالى المطلوب ألفا ومائتين جنيه بعد سنتين، ونستنتج من هذا أن الزيادة بسبب التأجيل فيها استغلال لتعثر الطرف الثانى فى تسديد كامل المبلغ، ومن هنا نؤكد أن العنصر الحاكم فى تحريم الربا هو «استغلال حاجة الإنسان المتعثر»، أما ما هو متفق عليه بين الطرفين فلا حرمانية فيه، وعليه فإن فوائد شهادات الاستثمار المحددة المدة والنسبة المائوية للفوائد هى «حلال» لا ريب فيها.
ومن وجهة نظر ثانية، فقد كان للشيخ سيد طنطاوى ــ مفتى الديار الإسلامية الأسبق، وشيخ الأزهر السابق رحمة الله عليه ــ رأى فى هذه المسألة، سمعته منه فى إحدى ندواته، فهو يعتبر العلاقة بين المواطن وحكومته مثل العلاقة بين الابن وأبيه، فبين الأب وابنه لا حدود للتعامل كما قال نبى الله (ﷺ): «أنت ومالك لأبيك»، فإذا أخذ الأب من ابنه ألف جنيه ثم أعادهم له ألفين فلا ضرر فى ذلك، والعكس صحيح، إذا أخذ الابن من أبيه ألف جنيه وأعادهم لأبيه ألفين فلا ضرر أيضا فى ذلك، لأن العلاقة بين الاثنين تسمح بذلك التبادل، ولأنه من اليقين لن يستغل أحد الآخر، خاصة الأب فهو دائما حريص على ابنه وعلى مستقبله وعلى أمواله وعلى ممتلكاته، وفى النهاية ستئول أموال الأب للابن بالميراث، وأيضا يمكن أن تئول أموال الابن للأب إذا وافته المنية قبل أبيه، وخلاصة القول إن الأب هو الأصل والابن هو الفرع، وكذلك الدولة هى الأصل والمواطن هو الفرع، ولا حدود بين الأصل والفرع، فهما واحد.
كذلك الحكومة مسئولة مسئولية كاملة عن مواطنيها، توفر لهم الحياة الكريمة، وتحميهم من أى ضرر يقع عليهم من الخارج أو الداخل، فى كل شئون الحياة، فأين تقع الحرمانية عندما يساعد الأب ابنه أو تساعد الحكومة مواطنيها؟ وأين تقع الحرمانية إذا كانت الحكومة تساعد مواطنيها على تخطى الصعوبات المالية، ولا تعمل على استغلالهم؟ فمال الدولة هو فى الأصل مال الشعب، والحكومة هى القائمة على تنظيمه وعلى حسن توزيعه، بحيث تحقق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وتؤمِّن احتياجاتهم من صحة وتعليم وبنية تحتية.. تُحصلها من الضرائب التى تفرضها على مواطنيها!
•••
فى الحقيقة، يتضح لنا أن الفتاوى التى تحرم فوائد البنوك هى فتاوى بلا دلائل قطعية، وتوقِع عامة الناس فى حيرة من أمرهم، خاصة المواطن الذى تعلم بنظام «التلقين»، فهو لا يسعى بنفسه للبحث عن المصادر التى تمكنه من الخروج من هذا المأزق، وكل ما يفعله أنه يستمع للشيخ الأكثر شهرة فى الإعلام أو الذى يرتاح له نفسيًا، ولكنه دائما لا يحاول أن يُعمِل عقله ويجتهد بنفسه محاولا فهم الموضوع المثار عليه الخلاف، علمًا بأن الاجتهاد فريضة، فقد تعود أن يكون «مُسيرًا» لا «مُخيرًا» أو «مجتهدًا»؛ لم يسأل أحد نفسه ما هو «الربا»؟ وهل توجد أنواع من الربا؟ وما الفارق بينهم؟ وهل كلها «حرام» أم من بينها ما هو «مباح» و«حلال»؟
وفى ظاهرة أخرى تعد من ــ وجهة نظرنا ــ إرهابًا فكريًا، أنه حين يتحدث أحد من الناس من غير رجال الدين فى أمور مشابهة، نجد المتطرفين ومن يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين يهاجمون المتحدث بقولهم له هذه أمور دينية لا يحق لك الكلام فيها لأنك لست رجل دين، ويدللون على ذلك بأسئلتهم المعتادة: «هل يجوز لغير الطبيب أن يعالج مريضًا؟»، أو «هل يمكن لغير المهندس أن يبنى عمارة؟»، وينسون أن علماء الدين ليسوا علماء اقتصاد، ومع هذا يسمحون لأنفسهم بأن يتحدثوا فى شأن اقتصادى، وآخر سياسى، وثالث طبى كما اخترعوا مصطلح «الطب النبوى»، علمًا بأن النبى عليه أفضل الصلاة والسلام كان نبيًا صاحب رسالة، يُوحَى إليه ليصلح عقائد الناس، إنهم يحللون لأنفسهم ما يشاءون ويحرمون على الناس ما يشاءون، وكأن الحياة حكر عليهم!
اللهم نسألك، فى شهر رمضان المعظم، أن تهدينا للحق، وأن تلهمنا الصواب، وأن تصلح أحوالنا، وأن تغفر لنا أخطاءنا، وأن توفقنا لما فيه الخير لنا ولوطننا.
أكرم السيسى أستاذ متفرغ بكلية اللغات والترجمة (قسم اللغة الفرنسية)– جامعة الأزهر
التعليقات