قصص التعذيب عندهم وعندنا - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الخميس 25 فبراير 2021 3:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

قصص التعذيب عندهم وعندنا

نشر فى : الإثنين 15 ديسمبر 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 15 ديسمبر 2014 - 8:00 ص

لم يفاجئنى تقرير لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأمريكى عن وقائع التعذيب التى مارستها وكالة المخابرات الأمريكية مباشرة أو بطريقة غير مباشرة على محتجزين لديها أو لدى أجهزة مخابرات تعاقدت معها على القيام بهذه الجريمة البشعة، فللمخابرات الأمريكية باع طويل فى هذا المجال، ولكن السؤال الذى اهتممت به هو احتمالات المساءلة عن هذه الممارسات التى كشف عنها هذا التقرير، والتى هى انتهاك صريح وخطير لالتزامات الحكومة الأمريكية وحكومات الأجهزة التى شاركت معها فى هذه الممارسات بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب.

•••

تاريخ المخابرات المركزية الأمريكية فى ممارسة التعذيب تاريخ طويل، أتيح لى أن أعرف عنه منذ أكثر من ثلاث عقود عندما كنت أكتب رسالتى للدكتوراة عن اللامساواة الاجتماعية والعنف السياسى، وتعرضت فيها للحركات الثورية التى كانت تقاوم التفاوت الطبقى الصارخ فى عدد من البلدان ومنها بلدان أمريكا اللاتينية وما تقوم به أجهزة الدولة التى تواجه هذه الحركات الثورية، ولفت نظرى الدور البارز الذى كانت تقوم به أجهزة المخابرات الأمريكية فى «معاونة» هذه الحكومات الرجعية على التصدى لهذه الحركات الثورية. وكان من أبرز جهود الولايات المتحدة فى هذا الصدد دعوة كبار المسئولين فى أجهزة الشرطة والأمن فى دول أمريكا اللاتينية لتلقى التدريب فى أحد المعاهد التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى بنما والمعروف باسم معهد الأمريكتين «School of the Americas».

وكان أحد المقررات الهامة فى هذا المعهد هو مقرر عن كيفية استجواب المحتجزين والأساليب التى ينصح باتباعها فى هذا الصدد، ومنها استخدام مستحضرات طبية خاصة لاستنطاق المحتجزين، واختطاف أفراد أسرهم، وترتيب الأولويات فى اختطاف الأعداء، والنفى، والضرب والإعدام. وقد وزعت أجهزة المخابرات الأمريكية دليلا بهذه الأساليب على عشر من دول أمريكا اللاتينية؛ لكى تنتقل هذه «الخبرات» لرجال الأمن الذين لم يتح لهم تلقى التدريب فى هذا «المعهد»، أو لكى يتذكرها خريجوه عندما يعودون إلى بلادهم. وقد أعاد تقرير مجلس الشيوخ الأمريكى التذكرة بتاريخ «معهد الأمريكتين». وهكذا فقد كان لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية دور الأستاذ فى مجال هذه الممارسات الشائنة. ولاشك أن هذه المعرفة النظرية التى توافرت لـ«خبراء» الوكالة خلفيتها العملية، فلاشك أنهم استمدوا نظرياتهم هذه من التجارب التى كانوا يقومون بها فى دول العالم المختلفة. وإذا كان من المعروف أن الوكالة خططت لاغتيال بعض رؤساء الدول، ومنهم الرئيس الكوبى السابق فيدل كاسترو، فتعذيب مواطنى هؤلاء الرؤساء هو بكل تأكيد فى نظر الوكالة أقل شأنا من محاولة اغتيال رؤسائهم.

•••

وقد برع تلاميذ الوكالة فى تطبيق الدروس التى تعلموها على يد أساتذتهم من الولايات المتحدة، وهكذا عرفت بعض دول أمريكا اللاتينية ممارسات يندى لها جبين من لديه بقية من ضمير شملت اختطاف آلاف من المعارضين السياسيين، وتعذيبهم، وتشكيل ما عرف باسم كتائب الإعدام لملاحقة الناشطين السياسيين، بل وصل الأمر إلى الإعدام الجماعى لهؤلاء المعارضين أو قذفهم من الطائرات إلى أمواج المحيط، وهو ما شهدته دول مثل الأرجنتين وشيلى والبرازيل فى ظل حكومات عسكرية جاءت بعد انقلابات تواطأت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى تدبيرها.

وقد شاءت المصادفة أن يكشف تقرير آخر مدعم بالأدلة تفاصيل ما قام به تلاميذ الوكالة فى أكبر دول أمريكا اللاتينية. فقد أصدرت لجنة الصدق القومية البرازيلية تقريرها الأسبوع الماضى عن انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة الحكم العسكرى فى البرازيل والتى امتدت منذ سنة 1964 حتى سنة 1985، وذلك على يد ثلاثمائة من العسكريين البرازيليين الذين تلقوا التدريب فى معهد الأمريكتين سيئ السمعة. وقد كان أحد ضحايا هذا التعذيب، مباشرة أو على نحو غير مباشر، ديلما سيلفا رئيسة البرازيل، والتى لم تتمالك دموعها عند إعلان محتوى هذا التقرير.

•••

لم يكن ما جاء فى تقرير لجنة مجلس الشيوخ الأمريكى مفاجئا لمن يعرفون تاريخ الوكالة من خلال ما ذكرته كتابات عديدة موثقة عن تاريخ الوكالة فى قارات العالم. ربما تكون قد ابتكرت أساليب جديدة مثل الإيهام بالغرق، والحرمان من النوم لمدة تصل إلى أسبوع، والاعتداءات الجنسية. كما أن ما جاء فى التقرير لم يكن مفاجئا للمواطنين العرب، فقد كشفت مصادر أمريكية، ومنها جنود أمريكيون ما كانت تقوم به الوكالة فى العراق سواء من خلال عملائها والعسكريين الأمريكيين فى السجون العراقية خلال احتلال الولايات المتحدة للعراق، أو من خلال الشركات التى كانت تعهد لها بالقيام بحماية منشآت أمريكية، وذكريات سجن أبوغريب وممارسات شركة بلاكووتر هى دلالات بارزة فى هذا الصدد عن الانحراف الذى تحدثه علاقات القوة الغاشمة فى نفوس من يملكونها والذين كانوا يجدون فى التعذيب مبعثا للسرور الشخصى حتى عندما لا يكون هناك أى جدوى استخباراتية للقيام به، وهو ما أكده كذلك تقرير لجنة مجلس الشيوخ الأمريكى.

ولكن الجديد حقا كان ما أعاد هذا التقرير التأكيد عليه من أن الوكالة لم تحتكر وحدها ممارسة التعذيب، ولكنها كانت تعهد به إلى وكالات المخابرات فى دول صديقة للولايات المتحدة الأمريكية، ومنها ثلاث دول عربية هى مصر والأردن والمغرب، وكانت تكافئوها بتقديم «مساعدات» لها تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات. وإذا كان من المفهوم أن تتعاون أجهزة المخابرات فى دول عديدة فيما سمى «الحرب على الإرهاب» باعتبار أن الحرب على الإرهاب هى خطر مشترك يواجه هذه الدول، فتتبادل المعلومات. ولكن من غير المفهوم أن تنوب أجهزة الدول الأخرى عن وكالة المخابرات الأمريكية فى القيام بما تعتبره الوكالة «أعمالا قذرة»، فتنأى عن أن تقوم به بنفسها، أو داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو على مواطنين أمريكيين فتخضع للمساءلة أمام المحاكم الأمريكية، وهكذا تقبل أجهزة المخابرات فى الدول الأخرى أن تتدنى أخلاقيا وتغاضى عن المفهوم العنصرى لعمل الوكالة الأمريكية، كما تضع نفسها فى موضع المجرمين الذين يقومون بجرائمهم لقاء أموال يدفعها آخرون لا يريدون أن تتلوث أيديهم بدماء ضحاياهم فيبتعدون بأنفسهم عن المسئولية المباشرة عن أفعالهم.

ولكن ماذا بعد تقرير لجنة مجلس الشيوخ الأمريكى؟ التعذيب جريمة دولية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة التى صدقت عليها الحكومة الأمريكية فى سنة 1997، فهل ستحيل الحكومة الأمريكية من قاموا بهذه الممارسات للمحاكمة؟ هذا الأمر مشكوك فيه لاعتبارات قانونية وسياسية. لقد أثير هذا الأمر من قبل فى ظل إدارة الرئيس السابق جورج بوش. وفيما يبدو فقد أجاز أحد المسئولين فيها هذه الممارسات، ونظرا لأنها توقفت مع قدوم باراك أوباما إلى البيت الأبيض، فيمكن لمن قاموا بهذه الممارسات فى ذلك الوقت الإدعاء بأنهم لم يخرجوا حينئذ عن القانون. والولايات المتحدة تعتبر أنه فى حالة التعارض بين قانونها الداخلى والقانون الدولى يكون قانونها الداخلى هو الأولى بالاعتبار. ومن ناحية ثانية فقد خرجت أصوات عديدة داخل الولايات المتحدة تدافع عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ومن داخل الحزبين الرئيسيين، من قائل بأن الولايات المتحدة كانت تخوض حربا ضد الإرهاب، وأن هذه الممارسات قد أنقذت أمريكيين كثيرين كانت الجماعات الإرهابية تخطط لمهاجمتهم، كما انبرى مدير الوكالة للدفاع عن سجل الوكالة، معترفا بأنه إذا كانت هناك بعض هذه الممارسات التى لا تسمح بها القوانين الأمريكية، فهى مجرد أفعال فردية، ونظرا لأن الأغلبية معقودة للحزب الجمهورى فى مجلسى الكونجرس الأمريكى فى يناير القادم بعد نجاحه فى الإنتخابات التشريعية الشهر الماضى، وهو معروف بتطرف خطابه فيما يتعلق بأمن الولايات المتحدة، فليس من المتوقع أن يعيد فتح هذه القضية.

•••

ولكن السؤال الأهم فيما يتعلق بنا هو عن المسئولية الأخلاقية للأجهزة التى تورطت فى هذه الممارسات خدمة للولايات المتحدة الأمريكية؟. صحيح أن للتعذيب جذورا فى تاريخ مؤسساتنا الأمنية منذ قصة العسكرى الأسود فى العهد الملكى إلى روايات عديدة عن التعذيب فى سجون عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك. وصحيح أن ما جاء فى تقرير لجنة مجلس الشيوخ الأمريكى جرى فى عهد مبارك. ولكن ألا يستحق الرأى العام فى بلدنا بعض التوضيح عن ملابسات هذه الممارسات؟ أولا يستحق من قاموا بهذه الممارسات أن يخضعوا للمساءلة؟ أثق أن القراء لن يتركوا هذه القضية تدفن تحت رمال النسيان أو التغاضى.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات