الرؤية الإيرانية لمرحلة ما بعد النزاع فى اليمن - من الفضاء الإلكتروني «مدونات» - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 9:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الرؤية الإيرانية لمرحلة ما بعد النزاع فى اليمن

نشر فى : الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 8:20 م | آخر تحديث : الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 8:20 م

نشرت مدونة صدى التابعة لمركز كارنيجى مقالا للكاتب «سامويل رامانى»، نعرض منه ما يلى:

فى 19 نوفمبر، قدّم المسئول الحوثى البارز إبراهيم محمد الديلمى أوراق اعتماده سفيرا لليمن لدى إيران. وقد كان تعيينه بمثابة انتصار رمزى للتيار الحوثى الذى يسعى منذ عام 2015 للحصول على اعتراف دبلوماسى من إيران. بيد أن حكومة الرئيس «عبدربه منصور هادى» الموالية للسعودية أعربت بطريقة متوقّعة عن استهزائها بتعيين الديلمى. واتّهمت حكومة هادى، فى بيان رسمى، إيران بخرق القانون الدولى، نظرا إلى أن قرار مجلس الأمن الدولى 2216 يسلّط الضوء صراحةً على عدم شرعية الانقلاب الحوثى فى عام 2014.
يتزامن اعتماد إيران شخصيةً منضوية إلى جانب الحوثيين سفيرا لليمن لديها مع تكثّف وتيرة الحوار بين السعودية والحوثيين بشأن إنهاء الحرب فى اليمن. لا بل أكثر من ذلك، يعكس ذلك عدم ارتياح طهران لمسار عملية السلام فى اليمن. لقد كشفت إيران عن امتعاض إضافى من الدور القيادى الذى تؤدّيه السعودية فى عملية السلام اليمنية عندما أدانت طهران، فى 6 نوفمبر، اتفاق الرياض بين حكومة هادى والمجلس الانتقالى الجنوبى واصفةً إياه بأنه صفقة تساهم فى تعزيز «الاحتلال السعودى لليمن». لقد أسفرت هذه الإدانة عن عزل إيران عن المجتمع الدولى الذى أبدى ترحيبا واسعا باتفاق الرياض الذى رأى فيه خطوة نحو السلام وسلّط الضوء على الدور التعطيلى الذى تمارسه إيران فى اليمن.
***
الرغبة الإيرانية فى احتواء النفوذ الجيوسياسى السعودى تُفسّر أوجه التناقض بين انتقادات طهران لمحاولات إطلاق عملية السلام فى اليمن من جهة ومعارضتها للتدخل العسكرى الذى تقوده السعودية هناك من جهة ثانية. يرى المسئولون الإيرانيون فى الحرب اليمنية وسيلة للتوسّع السعودى. ويعتبرون أن السيناريو الأفضل لهم هو حدوث انسحاب سعودى أحادى بدفع من الاحتكاكات داخل التحالف بدلا من تسوية سلمية تقودها السعودية. وفيما ساهم اتفاق الرياض فى التخفيف من حدة التشنجات داخل التحالف، ترى إيران فى تحالفها العسكرى مع الحوثيين وسيلة منخفضة الكلفة وبالغة الأثر للانتقام من السعودية. وهى ترغب فى الاحتفاظ بهذه الوسيلة لأطول فترة ممكنة.
وتُبدى إيران خشيتها أيضا من أن تُفضى تسوية سلمية بوساطة سعودية إلى مأسسة قبضة هادى على السلطة. تجتمع وسائل الإعلام الإيرانية على وصف هادى بأنه «رئيس هارب وسوف يخرج قريبا من الحكم». فى السابق، دعمت طهران الخطة التى أعلن عنها وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى فى 16 أغسطس، شرط أن يؤدّى تطبيقها إلى استقالة هادى. وردا على الجهود التى بذلتها السعودية لتعزيز شرعية هادى، أضفت إيران طابعا رسميا على دعمها للحوثيين. وقد صرّح المرشد الأعلى، آية الله على خامنئى، خلال اجتماعه بالناطق الرسمى باسم جماعة الحوثى ورئيس وفدها المفاوض، محمد عبدالسلام، فى أغسطس الماضى، أن «المقاومة التى يخوضها المؤمنون والمؤمنات فى اليمن» سوف تنشئ «حكومة قوية».
ورغبة إيران فى منع التوصل إلى تسوية سلمية بشروط سعودية تنعكس أيضا فى الانتقادات الإيرانية للمفاوضات المدعومة من الأمم المتحدة والتى تتم برئاسة الدبلوماسى والمبعوث الخاص البريطانى مارتن جريفيث. والحال هو أن التزام الأمم المتحدة المستمر بقرار مجلس الأمن الدولى 2216 الذى يحمّل الحوثيين مسئولية إشعال شرارة الحرب الأهلية اليمنية، هو مصدر قلق شديد لصنّاع السياسات الإيرانيين. وفى هذا الصدد، تزعم شخصيات بارزة فى مجال السياسة الخارجية الإيرانية، مثل السفير الإيرانى السابق فى لبنان غضنفر ركن أبادى، أن القرار 2216 منحاز للمصالح السعودية ويقطع الطريق على الانتقادات للسلوك العسكرى السعودى فى اليمن.
من الواضح أن إيران تسعى إلى قطع الطريق على السعودية كى لا تفرض أحاديا شروط عملية السلام. ولكن لطالما كان النفوذ الإيرانى فى اليمن محدودا، فضلا عن عجز إيران عن الاستثمار فى عملية إعادة الإعمار الاقتصادى فى البلاد، ما يعطّل قدرتها على حماية مصالحها فى اليمن. ومن أجل تخطّى هذه الشوائب، تعرض إيران مساعدة دبلوماسية بغية التصدّى للنظرة السلبية التى تحيط بدعمها للحوثيين، وحرصا منها على اكتساب بعض القبول الدولى لوجودها فى اليمن. فى 16 أكتوبر، أعلن رئيس مجلس الشورى الإيرانى على لاريجانى عن نية بلاده التوسط فى اليمن فى حال قبول السعودية بحلّ سياسى. وقد أعرب الدبلوماسيون الإيرانيون فى البداية عن تحفّظهم على شن الحوثيين هجوما على صنعاء، وسلّطوا الضوء على الخطة المؤلفة من أربع نقاط التى وضعتها طهران من أجل التوصل إلى حل سياسى. تدعو الخطة التى رفعها وزير الخارجية الإيرانى محمد جواد ظريف إلى الأمم المتحدة فى أبريل 2015، إلى وقف الهجمات الجوية السعودية، وتسليم المساعدات الإنسانية إلى الشعب اليمنى من دون أى عراقيل، وإطلاق عملية مصالحة وطنية. تعبّر هذه المبادرات الدبلوماسية عن رغبة إيران فى الظهور فى موقع اللاعب البنّاء فى وقتٍ وصف فيه صنّاع السياسات الأمريكيون طهران بأنها الطرف الأساسى الذى يقف خلف زعزعة الاستقرار فى اليمن.
***
تُظهر بعض المؤشرات أن الجهود التى تبذلها إيران تساهم فى تعزيز هيبتها فى موقع الحكَم الدبلوماسى فى أوروبا وروسيا. فى مطلع عام 2018، أجرى مسئولون إيرانيون سلسلة مباحثات مع نظرائهم فى ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بشأن وقف لإطلاق النار فى اليمن. وقد أثنت الشخصيات الأوروبية المشارِكة على هذه المفاوضات. وفى أغسطس 2019، قام ممثّلون عن هذه البلدان الأوروبية الثلاثة فضلا عن إيطاليا، بزيارة إلى طهران للتباحث بشأن عملية تسوية النزاع. وقد أتاح الاجتماع لإيران بأن تؤدّى دور الجسر بين أوروبا وجماعة الحوثى التى كانت ممثَّلة أيضا فى اللقاء.
بغية تعزيز التعاون بين روسيا وإيران فى اليمن، توجّهَ المعاون الخاص لوزير الخارجية الإيرانى حسين جابرى أنصارى إلى موسكو فى أكتوبر 2018 لمناقشة المقاربات المكمّلة لعملية تسوية النزاع. واستُتبِعت الزيارة بمشاورات منتظمة بين مسئولين روس وإيرانيين بشأن الأحداث فى اليمن. وقد أعربت روسيا عن تضامنها مع إيران من خلال تعطيل صدور قرار عن الأمم المتحدة فى ديسمبر 2018 يُدين الدعم الإيرانى للحوثيين. لا ترغب روسيا فى إضفاء شرعية على السيطرة الحوثية على شمال اليمن، وتخوض أيضا حوارا منتظما مع السعودية حول تسوية النزاع فى اليمن. ولكن المسئولين الإيرانيين ينظرون بإيجابية إلى استعداد موسكو للانخراط مع طهران بوصفها فريقا بنّاءً فى اليمن.
وقد سادت مخاوف شديدة فى الولايات المتحدة ومنطقة الخليج من قيام إيران بتشجيع التوسع الحوثى فى جنوب اليمن، انطلاقا من سعى طهران إلى تعزيز نفوذها فى العملية الدبلوماسية. ولكن تبيّن حتى الآن أن هذه المخاوف غير مبررة. فمنطقة النفوذ الحوثية لا تزال تقتصر على صنعاء ومعاقل الحوثيين فى شمال اليمن. وبما أنه من المستبعد إلى حد كبير أن يفرض الحوثيون سيطرتهم فى عدن، يرى صنّاع السياسات الإيرانيون الآن فى اتفاق تقاسم السلطة الآلية الاستراتيجية الأكثر فاعلية للإبقاء على وجود إيرانى فى اليمن.
وقد حدّد صنّاع السياسات الإيرانيون، على نحوٍ غير رسمى، شرطَين اثنين للقبول باتفاق لتقاسم السلطة فى اليمن. أولا، تطلب إيران إشراك الحوثيين فى الاتفاق، إما بصفتهم عضوا رسميا فى الائتلاف الحاكم فى اليمن وإما بصفتهم قوة عسكرية نافذة تتحرك خارج إطار مؤسسات الدولة. ثانيا، تعارض إيران أى اتفاق من شأنه أن يحدث تغييرا جوهريا فى الهيكلية الدستورية فى اليمن أو يُفضى إلى تقسيم البلاد. وفى هذا الصدد، يُشار إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية اتهمت، بعد سيطرة المجلس الانتقالى الجنوبى على عدن فى 10 أغسطس، السعودية والإمارات بالتآمر لـ«تقسيم اليمن وتفكيكه» وشدّدت على الدعم الإيرانى لـ«وحدة اليمن». والدعم الإيرانى لوحدة اليمن لا يعنى رفض الحوار مع المجلس الانتقالى الجنوبى، فالمسئولون الإيرانيون يعتبرون أن الدعم الذى قدّمه جنوب اليمن للثورة الإيرانية فى عام 1979 وتضامنه مع إيران فى حربها مع العراق فى مرحلة 1980ــ1988 يُشكّلان سابقتَين يمكن الركون إليهما للتعاون فى المستقبل. وعلى الرغم من هذا الإرث التاريخى، غالب الظن أن الحوار بين المجلس الانتقالى الجنوبى وإيران لن يكتسب زخما إلا إذا وافق المجلس على نزع فتيل التشنجات مع الحوثيين وعلى حصول جنوب اليمن على الحكم الذاتى بدلا من الاستقلال.
تُقدّم إيران، فى مسعى منها للحفاظ على مصالحها فى اليمن، رؤية متماسكة لمستقبل البلاد السياسى، وتعمل على فرض نفسها فى موقع الفريق الدبلوماسى الذى لا غنى عنه فى اليمن. ومع تقدُّم مسار المفاوضات السعودية ــ الحوثية، سوف تواصل إيران، على الأرجح، التصرف من منطلق القوة الموازية فى مواجهة هذه المباحثات، وسوف تظل تطالب بإرساء صيغة متعددة الأطراف تراعى مصالحها فى اليمن.

النص الأصلى

التعليقات