الثورة اللبنانيَة والتنانين الأربعة - صحافة عربية - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 8:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


الثورة اللبنانيَة والتنانين الأربعة

نشر فى : الأربعاء 18 ديسمبر 2019 - 9:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 18 ديسمبر 2019 - 9:45 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتب حازم صاغية... جاء فيها ما يلى:
منذ ليلة السبت ــ الأحد الماضى، والليالى اللبنانيَة تشهد عنفا لم تشهده منذ انفجار ثورة 17 أكتوبر. بعض المراقبين والناشطين توقَعوا أن تتعزَز هذه الوجهة وأنْ يتزايدَ القمع، قبل التكليف المؤجَل وبعده، بل وفى معزل عنه. فإذا صحَ أنَنا لا نزال بعيدين جدا عن الأرقام العراقية، وكلَ الأمل ألا نقترب منها، صحَ أيضا أنَ ما تحاوله الثورة اللبنانية وحجم التعنُت الذى يواجه محاولتها المركَبة والشائكة ليسا بسيطين.
يكفى أن نعدِد الأعداء الأربعة الأساسيين الذين آثر الشبان والشابات اللبنانيون، يوم 17 أكتوبر، أن يتحدوا ضدهم، وأن يتحدوا سطوتهم. والحال أن هؤلاء أقرب إلى تنانين أربعة كثيرة التشعب وعميقة التجذر، تنانينَ قد يختلف ثوار لبنان فى ترتيبها وترتيب أولويات المواجهة معها، لكن أغلبيتهم الساحقة لا تختلف فى الإقرار بتناقضها مع مصالح الشعب ومع طموحات أبنائه.
هناك، أولا، الاقتصاد «النيو ليبرالى» مرموزا إليه، اليوم، بالمصرف. هذا الأخير الذى ينهب المال العام بنشاط يزيده زخما تداخل الجماعة السياسية والجماعة المصرفية، بات الآن ينهب الأفراد فردا فردا، من دون أى تجريد وأى وسائط أو عوازل. لكن المصرف ليس تفصيلا هامشيا فى تركيبة الاقتصاد اللبنانى، وفى الوعى الذى فسر تلك التركيبة، وبررها. لقد عاش لبنان طويلا، وفى نظر كثيرين، بوصفه مصرفا كبيرا ألف له ميشال شيحا الأفكار كما ألف الأخوان الرحبانى الأغانى.
مركزية المصرف إذا صحت عموما، فهى تصح على نحو خاص فى السنوات الثلاثين الماضية، حيث تعاظم وزنه فى الاقتصاد، كما تنامى التسليم بدوره فى السياسة والقناعات السائدة. وما يعنيه ذلك أن تحدى المصرف فى شكله الراهن ينطوى على إعادة نظر فى تركيب اقتصاد النهب اللبنانى ذاته، وفى طرق اشتغاله.
هنا، وفى مقابل التناقضات الكثيرة بين أطراف الجماعة الحاكمة، نعثر على وحدة ناصعة بين أطراف هى كلها، ومن دون استثناء، تدين بـ«النيو ليبرالية».
هناك، ثانيا، الطائفية التى هى وعى البلد وعماد أيديولوجيته: منذ 1860 فى «لبنان الصغير»، أو متصرفية جبل لبنان، ومنذ 1920 فى «لبنان الكبير». لكن الطائفية ليست مجرد وعى، إذ من دونها لا تُفهم السياسات ولا يُفهم الاقتصاد الوطنى نفسه. لا تُفهم حروب البلد الكثيرة، ولا يُفهم سلمه القليل... هذه أيضا وجدت فى مثقفين، ربما كان أبرزهم كمال يوسف الحاج، مَن يتغنى بفضائلها ونِعَمها، مثقفين لا يفوقهم فى الخطأ إلا من أنكرها أو خفف من وزنها الثقيل. إن ما نعيشه اليوم، وللمرة الأولى منذ 1860، هو أكبر افتراق بين الطائفية والشعب. فـ«التضليل» الذى كان ممكنا من قبل، بسبب قوة الطائفية كشبكة توزيع، لم يعد ممكنا راهنا. لقد كف عن العمل.
أما ثالثا، فهناك «حزب الله» الذى يمثل امتدادا مزدوجا ومسموما للتركيب الطائفى: فبعد تجارب كثيرة فى استخدام عنف الحد الأدنى لتحسين موقع طائفى ما فى «التعايش الوطنى»، جسد «الحزب» القدرة على استخدام عنف الحد الأقصى لإخضاع هذا «التعايش». وبعد علاقات بالخارج كانت تشكل ملحقا لسياسات طائفة ما، اندمج الداخل الوطنى بالخارج الإيرانى على نحو محكم لا فكاك منه... إن «حزب الله» هو اليوم سيف الطائفية البتار: فى 2005 حين أجمعت أكثرية اللبنانيين على اتهام بشار الأسد باغتيال رفيق الحريرى، حال ذاك الحزب (الذى لم يُتهم يومها) دون استكمال وحدة الموقف اللبنانى. الآن يتكرر الأمر نفسه فيتولى الحزب إياه فصل طائفة كبرى عن الثورة، فيما يمنح السلطة المتداعية الأنياب التى لا تملكها.
وفى المحل الرابع، هناك مناخ الثورة المضادة عربيا. هذا المناخ هو الأشد سخونة وسُمية فى سوريا التى تهب رياحها على لبنان، والتى تهب فى وجه رياحها رياح الثورة اللبنانية. ما تعيشه بيروت اليوم يقول إن بشار الأسد لم ينجز المهمة بعد. هنا يكمن أحد مصادر الحقد الذى يتغذى عليه الأسديون فى عدائهم للثورة اللبنانية. إنهم على بينة من أن ما أنجزه لهم الإيرانيون والروس فى دمشق قد يخسرونه فى بغداد وبيروت.
التنانين الأربعة التى تستهدفها ثورة لبنان ترسم عسر المهمة، وبطوليتها، فى آن معا. وهى تفسر كيف أن الجماعة الحاكمة، وعلى ما ظهر جليا ليلة الأحد ــ الاثنين خصوصا، تسعى إلى توسيع مساحات التنسيق والتكامل فيما بينها، بدءا بالأمن وضبطه.
قد تُهزم الثورة ويُهزم معها لبنان نفسه؟ ربما. لكن المؤكد أن استهداف التنانين الأربعة مهمة مديدة سوف يخوضها جيل بعد جيل. وهذا ما يرتب على قواها مسئوليات بات يصعب تأجيلها، بعضها تنظيمى، وبعضها فكرى، مسئولياتٍ تجمع بين مواجهات اليوم ومواجهات الزمن المقبل، وفى خضمها تتبلور سلطة بديلة ومحترمة. بغير ذلك، يمضى الماضى إلى غير رجعة، ويبقى المستقبل فى انتظار مَن يرسم له صورة وملامح.

الشرق الأوسط ــ لندن

التعليقات