وفى مطعم هادئ قد نقول: كبرنا - محمد موسى - بوابة الشروق
الإثنين 16 سبتمبر 2019 11:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



وفى مطعم هادئ قد نقول: كبرنا

نشر فى : الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 - 10:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 - 10:25 م
ولسوف يتجلى بيننا كما كان فتى أسمر حبوبا، يملأ الدنيا بهجة وألوانا، ويغمد ابتسامته الحلوة فى قلوبنا. 

حامد العويضى الخطاط والصحفى والكاتب، البرقة التى عبرت سماء ملبدة بالأحلام والإحباط، منذ ثمانينيات مبارك إلى ما قبل طوفان 2011 بقليل. الفتى المولع بالبهجة والموسيقى القديمة والحكايات، وسيد الخط العربى.

سوف يتحول ركنه بجريدة «الأهالى»، 23 شارع عبدالخالق ثروت، إلى معمل لمانشيتات لن تبلى بتعاقب الليل والنهار، فى سنوات الجمر والأحلام. «الأهالى» التى نذهب من بيت الطلبة إلى ميدان الجيزة مساء الثلاثاء مشيا لنشتريها، ولا نصبر حتى صباح الأربعاء. خلية المهنة التى أرقت الدولة وحزبها «الوطنى» المزيف، وأجهزتها التى كانت تشيخ عيانا بيانا. 

سيكتب اللافتات الانتخابية لحزب التجمع مجانا، فقد كانت الثمانينيات الواعدة تخاتلنا، وتعشمنا بإصلاح ما أفسده السادات ومبارك، وإعادة الكرامة للفقراء، الذين يعيشون مغتربين؛ يموتون محتسبين لدينا العزاء.

سينطفئ بعض اللهيب المقدس، وتستمر المقاومة، وبالنكتة الحراقة سوف يعالج أثر جراح لا تظهر فى صورة الأشعة. الجراح القاتلة عصية على الاكتشاف، هكذا يؤكد علم الإنسانية. يضحك قبل أن يحكى قصة حقيقية: طلبوا من طباخ الملك فاروق بعد خلعه أن يدرب عشرين طاهيا للضباط الأحرار، قال لهم: دول ممكن أعلمهم يطبخوا، لكن دول مين يعلمهم يأكلوا؟.

فى المقاعد المخملية بمسرح الجمهورية العتيقة سوف نجلس، نحتفل بمجهولى فرقة الموسيقى العربية. كان يعرف بعضهم ويحكى عنهم. وستصدح القاعة بنواقيس محمد عثمان وسيد درويش وتلاميذهم فى فجر القرن العشرين.

بعدها سنحتفل بالأوبرا الجديدة، ونحجز فيها مقاعد ثابتة أمام فرقتنا المفضلة. وفى طريق العودة إلى المعادى قد نستمع صامتيْن إلى خلاصة الخلاصة: إن كنت أسامح وأنسى الأسية. عجيبة العجائب من محمد القصبجى ومن أم كلثوم. 

يرتقى فى سنواته الأخيرة إلى ساحات فنية غير مسبوقة. يصنع الورق بيديه، ويخلط الأحبار، ويتعلم الزخرفة بألوان الماء، ويطرز لوحات من آى الذكر الحكيم، وفصوص الشعر الخالد، والحكمة المأثورة. يسامر مارد الفن فى غرفته العالية بمبنى صحيفة الأهرام، على وقع الشيخ مصطفى إسماعيل، وأهازيج الصعيد النادرة، وليالى صالح عبدالحى وأسمهان وعلى الحجار، الذى كان صديقا مقربا.

يكتب حامد الخط العربى عاشقا وعالما موسوعيا بفنونه وتاريخه. يضع تصميمات عصرية للحروف العربية، فيما يخرج أجمل ما فى الكوفى والفارسى والديوانى. خط الثلث هو سيد الخطوط فى رأيه، «وبه نعرف الخطاط الثقيل من التجارى والهاوى».
ولسوف ينكشف صخب الأحلام الأولى عن أرض جرداء جرفتها سلطة مبارك الخائنة فى التسعينيات، فيعوذ بالخط والموسيقى من هذا الخراب.

وقد نمضى إلى مطعم هادئ لنقول: كبرنا، وذهب العمر فى شوارعها سدى.

ولسوف يحكى كثيرا عن الرسام حجازى أستاذ جيلنا فى الفن والسياسة.

وعندما يقرر حجازى أن يتقاعد طوعا بعد أكثر من 50 عاما من العمل بالقاهرة، سيدعو حامد لمنزله ويهديه بعضا من مكتبته الفريدة. يسأله عن سبب تقاعده فيقول: مافيش، كان عندى شوية رسومات هنا فى القاهرة، خلصتها وراجع بيتنا فى طنطا».

حامد العويضى أيضا لديه «رسومات» فى القاهرة يبدعها ويمضى قبل الأوان وقبل الطوفان، وهى معروضة الآن فى بيت السنارى بالحسين. وهناك وسط حروفه العجيبة وألوانه النادرة سوف يتجلى كما كان فتى أسمر، يغمد ابتسامته فى قلوبنا، فلا نظمأ بعدها أبدا.
محمد موسى  صحفي مصري