هل تتجرع إيران كأس السم مجددا؟ - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الإثنين 2 مارس 2026 7:52 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

هل تتجرع إيران كأس السم مجددا؟

نشر فى : الإثنين 2 مارس 2026 - 12:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 2 مارس 2026 - 12:20 ص

«طوبى لكم أيها الشعب.. طوبى للمحاربين والأسرى وعائلات الشهداء العظيمة، وويل لى أنا الذى ما زلت على قيد الحياة، أتجرع كأس السم الملوث بقبولى القرار وأشعر بالعار مقابل تضحيات هذا الشعب الكبير».
بهذه الكلمات الثقيلة أعلن المرشد الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام روح الله الخمينى، فى صيف 1988، قبوله قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار مع العراق، بعد سلسلة من الهزائم تكبدتها قواته، منهيا بذلك حربا استنزفت بلاده لثمانية أعوام كاملة.
بعد أسابيع قليلة من استعادة القوات العراقية لشبه جزيرة الفاو، وتوالى الانتكاسات العسكرية، أدركت القيادة الإيرانية أن استمرار الصمود الأيديولوجى قد يؤثر على بقاء الدولة، فقبل المرشد الأول الهزيمة أمام نظام صدام حسين المدعوم عربيا وغربيا، حفاظا على الجمهورية التى أعلنت منذ تأسيسها على أنقاض دولة الشاه العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، ودخلت معهما فى صراع بقاء ممتد أظهرت خلاله تماسكا أشاد به الخصوم قبل الحلفاء.
رحل الخمينى بعد إقراره بالهزيمة بنحو عام تقريبا، تاركا المهمة لخلفه على خامنئى، رئيس الجمهورية الإسلامية، لفترتين، والذى أمسك بخيوط نظام ولاية الفقيه لأكثر من ثلاثة عقود، واجه خلالها سبعة رؤساء أمريكيين، وتحمل فيها عقوبات واحتجاجات وتهديدات بالإزاحة، دون أن تنجح واشنطن فى كسر بنية نظامه أو إخضاعه.

لكن ما عجزت عنه سنوات الحصار والضغط، يبدو أن واشنطن نجحت فى إنجازه عبر عملية «الغضب الملحمى»، بعد نجاح الضربة الأمريكية/الإسرائيلية فى اغتيال المرشد الإيرانى على خامنئى وعدد من كبار قادة نظام الجمهورية الإسلامية.

قدم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عملية اغتيال المرشد باعتبارها «عدالة تاريخية» للشعب الإيرانى والعالم، وفرصة لاستعادة إيران من «قبضة عصابة من البلطجية المتعطشين للدماء»، استخدم ترامب تعبيرات لا تختلف كثيرا عن تلك التى استخدمها الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش عندما وصف إعدام الرئيس العراقى السابق صدام حسين بأنه «إنجاز كبير للديمقراطية الناشئة فى العراق، ودليل على العدالة التى كان يظن كثيرون أنها لن تأتى يوما».
المفارقة اللافتة أن العراق، الذى أُجبرت إيران أمامه على تجرع السم، لم تمض سوى سنوات قليلة حتى تحول هو نفسه إلى ضحية للمشروع الأمريكى فى المنطقة، حينما نجحت واشنطن فى إسقاط الدولة العراقية، وتفكيك مؤسساتها، وفتح أبوابها لنفوذ إيرانى غير مسبوق، بعد الغزو الذى قاده بوش تحت شعارات الديمقراطية وإزالة التهديدات.
الدولة العراقية التى كُسرت لم تستبدل بديمقراطية مستقرة  كما ادعى بوش وإدارته، بل بفوضى ممتدة ما تزال المنطقة تدفع ثمنها حتى اليوم؛ لهذا تجد طهران نفسها الآن أمام اختبار أشد قسوة من اختبار 1988؛ فـ«تجرّع السم» هذه المرة لا يعنى وقف الحرب، بل القبول بنتيجة ضربة استهدفت ليس رأس المرشد بل النظام والدولة.
أى تسوية تُفرض بعد اغتيال القيادة الروحية والسياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية ستُقرأ داخليا باعتبارها استسلاما كاملا، يحقق الهدف الصهيوأمريكى الأبعد والذى لا يقف عند حدود إسقاط النظام، بل تفكيك الدولة التى مثلت لعقود عنصر إزعاج استراتيجى لواشنطن وتل أبيب.
خوض إيران تلك المواجهة باعتبارها معركة وجود يضيق مساحة المناورة إلى حدها الأدنى؛ فإما الذهاب إلى «خيار شمشون» وهدم المعبد على كل ما فيه، وهو مسار قد يؤدى إلى انزلاقها ومعها المنطقة كلها إلى طوفان من الفوضى، وإما القبول بوساطات دولية لوقف الحرب بشروط الأعداء، وهو طريق لا يقل خطورة، لأنه يسقط الشرعية الثورية التى قام عليها النظام منذ بدء المواجهة مع «الشيطان الأكبر».
فى الحالتين، لا تبدو المعركة إيرانية فقط؛ فسقوط الجمهورية الإسلامية يعنى اختلال توازن الردع فى الشرق الأوسط، ويعنى عمليا إطلاق يد بنيامين نتنياهو للمضى فى مشروع إعادة تشكيل خرائط المنطقة وفق تصور تُفكك فيه تباعا كل القوى القادرة على تهديد إسرائيل.

حينها لن تتوقف الدائرة عند طهران، فرئيس الوزراء الإسرائيلى توعد قبل أيام بتشكيل تحالف جديد يواجه «المحور السنى الذى يتشكل» فى إشارة إلى مصر والسعودية وتركيا، بعد نجاحه فى مواجهة «المحور الشيعى المنهار» قاصدا إيران ووكلاءها فى المنطقة.

وقبل أن تحسم أسئلة الساعة وهى: «هل تختار إيران تجرع كأس السم وقبول هزيمة قريبة.. أم تمضى فى مواجهة مفتوحة؟».. فرضت أسئلة اليوم التالى نفسها على المشهد الذى يزداد قتامة: «أى شرق أوسط سيولد من تحت هذا الركام؟.. وهل ستقبل القوى الإقليمية الفاعلة الدخول طوعا فى حقبة السيادة الإسرائيلية؟.. أم أن الخطر الوجودى الذى بات يهدد بقاءها سيدفعها إلى تدشين تحالف عنوانه: «استقلال الإرادة والسيادة؟».

 

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات