«الكاوبوى» ترامب ومنطق «الجهل الفادح» - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الإثنين 4 مايو 2026 10:11 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

«الكاوبوى» ترامب ومنطق «الجهل الفادح»

نشر فى : الأحد 3 مايو 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الأحد 3 مايو 2026 - 6:20 م

  فى أقل من 24 ساعة، نشر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على منصته «تروث سوشيال» صورتين لنفسه مولدتين بالذكاء الاصطناعى، بدا فيهما أقرب إلى بطل سينمائى تحتل صورته «أفيش» أحد أفلام الحركة الأمريكية.

فى الصورة الأولى، ظهر ممسكا بسلاح رشاش على طريقة بطل سلسلة أفلام «رامبو»، وفى الثانية وضع صورته أمام وجه مبهم وأرفقها بعبارة: «العاصفة قادمة ولا يمكن لأحد إيقاف ما هو قادم».

لم يكن الجدل الذى أثارته الصورتان مرتبطا فقط بالدلالات السياسية التى يسعى ترامب إلى تعزيزها فى ظل تعثر مسار المفاوضات مع إيران، بل امتد إلى شخصيته المسكونة بهوس القدرة على إخضاع الخصوم.

الكاتب الصحفى الأمريكى ديفيد كليون يرى أن ترامب «يتوهم أنه خبير فى صناعة الصور، لكنه فى الحقيقة سيئ للغاية فى ذلك»، لافتا النظر الى أن الرجل قد ينجح فى إنتاج رسائل قصيرة لافتة، لكنه يفشل فى بناء خطاب بصرى أكثر تعقيدا.

وفى مقاله «جهل فادح.. كيف يسىء ترامب استخدام الصور» الذى نشره كليون خلال فترة ترامب الأولى فى «لوس أنجلوس ريفيو»، يشير كليون إلى أن ترامب لا يعتمد على الجهل بمعناه التقليدى، بل يوظف ما يمكن تسميته بـ«الجهل المتعمد»، حيث يتحول تجاهل التعقيد إلى وسيلة قوة لا نقطة ضعف، وبدل من أن يحاسب على تبسيطه المفرط للقضايا، يصبح هذا التبسيط مصدر جاذبيته السياسية.

هذا النمط من التفكير، يختزل العالم فى ثنائيات حادة «نحن وهم»، «قوة وضعف»، «انتصار وهزيمة»، ويقاوم العمل المؤسسى؛ وهو تصور يتقاطع مع تقاليد أمريكية أقدم تُمجد «الرجل العملى» الذى يتخذ القرارت بشكل منفرد، ويتقاطع أيضا مع أسطورة «الكاوبوى» التى تحتفى بالفعل المباشر على حساب التفكير المعقد.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة رؤية ترامب للعالم، فالشخصية الهوليودية التى يقدم بها نفسه، خليط من «الكاوبوى» الذى لا يؤمن بالقواعد والقوانين، و«البطل الخارق» الذى يقتل ويدمر ثم يعود لمنزله آمنا منتصرا، ذلك الإطار الذهنى للأسف هو ما يرسم ملامح سياسة القطب الوحيد الذى يملك فائض قوة قادرا على قلب موازين العالم.

يسعى ترامب إلى الإيحاء بأنه يتبنى معادلة صفرية «كل شىء.. أو لا شىء»، هكذا عبر حين طالب إيران بـ«استسلام غير مشروط»، بلا مساحة للتنازل أو المناورة.

هذه النزعة لا تقتصر على الخصوم، بل تمتد إلى الحلفاء أيضا؛ فالرجل يسعى إلى إخضاع كل من يمكنه إخضاعه، حتى شركائه عبر الأطلسى، الذى يصر على أن يصورهم فى موقع التابع لا الشريك، ومن يجرؤ على تحدى رغباته أو رفض شطحاته يتعرض للسخرية والإهانة على الهواء.

وفى قلب هذا السلوك، تبرز نزعة نرجسية واضحة، تدفع المحيطين به ومعظم قادة العالم إلى ممالأته بلغة مديح مبالغ فيها: «العبقرى»، «الاستثنائى»، «العظيم»، وهى مفردات لم تعد تستخدم إلا فى الأنظمة السلطوية، حيث تختزل الدولة فى شخص.

ومن إرث «الكاوبوى» المسيطر على هذا التصور، أن كل ما تقع عليه اليد يصبح ملكا لصاحبه، وأن الثروة، أينما وُجدت، ينبغى السيطرة عليها؛ إنها الفكرة ذاتها التى حكمت عقيدة أسلافه الذين أبادوا شعبا كاملا ومحوا حضارته لفتح الطريق أمام السيطرة على الأرض والثروة.

هذه العقيدة انتهجها ترامب عندما قرر الاستيلاء على نفط فنزويلا فخطف رئيسها وكان له ما أراد، وعندما نجحت العملية ظن أنه يمكن تكرارها فى إيران التى يحلم منذ عقود بإخضاعها والسيطرة على نفطها.

لكن ما يغيب عن هذا التصور أن إدارة الأزمات الدولية لا تُحسم بمنطق «إما كل شىء أو لا شىء»، فالأمور أعقد من ذلك، خاصة عندما يكون الطرف الآخر مدفوعا بعقيدة استشهادية ومستعدا لتحمل كلفة المواجهة حتى نهايتها.

هنا يظهر الفارق بين الأسطورة والواقع، فبينما خاض أسلافه من «الكاوبوى» المعاصرين حروبا قاسية، كانوا ــ على الأقل ــ يحرصون على تغليفها بخطاب أخلاقى يتحدث عن «تحرير الشعوب» و«مواجهة الشيوعية ونشر الديمقراطية»، يتخلى ترامب عن هذا القناع، ويقدم القوة فى صورتها العارية، بل ويتباهى بها بشكل فج «سنأخذ نفط فنزويلا»، «سندمر الحضارة الإيرانية»، «سأحصل على جرينلاند لما تملكه من ثروات»، لكنه فى النهاية يجد نفسه مجبرا على التعاطى مع المعطيات التى يفرضها الواقع.

هذه الصورة، التى تعيد إنتاج «الكاوبوى» فى أكثر نسخه قسوة، لن تصطدم فقط بمعطيات الجغرافيا وحقائق التاريخ، بل قد تدفع الخصوم والحلفاء معا إلى إعادة النظر فى بنية النظام الدولى، وربما إلى البحث عن توازنات جديدة لمواجهة الغطرسة الأمريكية التى باتت تهدد الجميع.

 

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات