منذ توقيعه اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل فى نوفمبر 2024، تعرض حزب الله لسلسلة من الضربات القاسية، شملت تصفية كوادره وتدمير جزء معتبر من بنيته العسكرية؛ ورغم ذلك، لم يرد حتى ولو بطلقة واحدة، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الحزب فقد كامل قدراته وتحول إلى مجرد «ظاهرة صوتية» فى مواجهة الداخل اللبنانى، وفق توصيف بعض الإعلاميين.
وعلى مدار نحو 15 شهرًا، اكتفى الحزب بإصدار بيانات وعيد للعدو الصهيونى، ولوم لحكومة بلاده التى تطالبه بتسليم سلاحه حتى لا تتورط الدولة اللبنانية فى معركة لا تتناسب مع قدرتها.
كما فقدت خطابات أمينه العام الجديد، الشيخ نعيم قاسم، كثيرًا من مصداقيتها مع الوقت، فى ظل تلقى الحزب ضربات متتالية دون رد يُذكر. حتى كلمته فى ذكرى استشهاد القائد فؤاد شكر فى يوليو الماضى، والتى رفض فيها «الاستسلام»، ودعا إلى مواجهة الجرائم الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، وعارض فيها أن تصبح بلاده «ملحقًا لإسرائيل لو اجتمعت الدنيا كلها»، لم تؤخذ على محمل الجد.
لكن مع مطلع العام الجارى، ومع تصاعد الحشد العسكرى الأمريكى وتهديدات الرئيس دونالد ترامب باغتيال المرشد الإيرانى على خامنئى، بدا أن شيئا ما يتغير؛ إذ أعلن قاسم بوضوح أن المساس بالمرشد «سيُقابل برد.. فالمساس به يعد اغتيالا للاستقرار فى المنطقة والعالم».
وبالفعل، بعد ساعات من اغتيال خامنئى، دخل الحزب على خط المواجهة بشكل مباشر، مستهدفا إسرائيل بـ 6 صواريخ فتحت جبهة إشغال واستنزاف للحرب التى تشنها الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل وهو ما ردت عليه الأخيرة بمئات الغارات التى طالت معظم الجغرافيا اللبنانية، وسقط بسببها أكثر من ألف شهيد وأدت إلى نزوح عشرات آلاف من اللبنانيين.
فاجأ الحزب الجميع وأثبت أنه لا يزال حاضرا وقادرا على القتال بوتيرة ربما تفوق مشاركته فى معركة إسناد غزة؛ فى خطوة وصفها خصومه بـ«المغامرة غير المحسوبة»، لكنها عمليا أعادته إلى معادلة الصراع كقوة فاعلة وقادرة على إيلام إسرائيل؛ بل إن وتيرة عملياته المتصاعدة، والحديث الإيرانى عن «مخزون من المفاجآت» الذى يدخره، يشيران إلى أن الحزب لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
فى هذا السياق، لم يعد النقاش منصبا على قدرة حزب الله وثباته وصموده بقدر ما انتقل إلى موقعه فى الحسابات الإيرانية؛ فالحزب، دفع لبنان إلى «مغامرة تهدد أمنه وسلامته إسنادا لطهران»، على حد تعبير رئيس الوزراء اللبنانى نواف سلام، سواء أعلن ذلك صراحة أو تمسك بخطاب الدفاع عن بلاده؛ ومن هنا يتبادر سريعا إلى الذهن سؤال صعب: كيف ستتعامل إيران مع هذه التضحية.. وهل يمكن أن يتحول الحزب إلى بند متقدم على طاولة مفاوضاتها مع الولايات المتحدة؟.
المعطيات المتاحة عبر تقارير صحفية غربية وعبرية، تشير إلى أن طهران أبلغت الوسطاء بضرورة إدراج لبنان ضمن أى اتفاق لوقف إطلاق النار، رابطـة إنهاء الحرب بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، كما أكدت مصادر إقليمية أن الحزب حصل على «ضمانات إيرانية» بإدراجه فى أى تسوية محتملة، مع رفض واضح لتكرار سيناريو ما بعد اتفاق 2024، حين استمرت الضربات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار.
لكن هذا الموقف يفتح الباب أمام معضلة معقدة؛ فتمسك طهران بشرط وقف العدوان على الجبهة اللبنانية قد يطيل أمد الحرب، ويضاعف كلفتها، خاصة فى ظل إصرار إسرائيلى على تغيير الواقع الأمنى فى الجنوب اللبنانى عبر إنشاء منطقة عازلة ونزع سلاح الحزب؛ وفى المقابل، فإن التراجع عن هذا الشرط والتخلى عن الحزب تحت وطأة الضغوط العسكرية قد يحمل أثمانا استراتيجية أكبر.
ذلك أن أى تخلى عن حزب الله لن يُقرأ بوصفه تنازلا تكتيكيا، بل كتحول استراتيجى فى عقيدة «محور المقاومة» التى تقوده إيران؛ وهو ما قد يدفع حلفاء طهران فى اليمن والعراق، إلى إعادة تقييم رهاناتهم على شريك قد يساوم عليهم عند لحظة الاختبار.
بين هذين الخيارين، تبدو إيران أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فإما التمسك بحلفائها، مع ما يحمله ذلك من كلفة تصعيد مفتوح قد يعرض بنية الدولة الإيرانية إلى تهديد غير مسبوق، أو الانخراط فى تسوية قد تنقذها مؤقتًا، لكنها تهدد بتفكيك شبكة نفوذ بنتها على مدى عقود.
تقف الجمهورية الإسلامية، أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ وإيران التى نعرفها قد تصبح إيران أخرى. فالولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، لا تبدوان مستعدتين للقبول بأقل من «استسلام غير مشروط»، إذ إن أى صيغة أقل من ذلك ستُعد هزيمة استراتيجية لترامب وحليفه نتنياهو؛ وكلاهما يملك من الصلف والعناد ما قد يدفعهما إلى الذهاب أبعد مما يتوقعه أحد مهما كانت الكلفة.