إذا تم توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالصورة الراهنة التى تم تسريبها لوسائل الإعلام طوال الأيام الماضية، فإن طهران ستكون قد حققت نجاحًا سياسيًا حقيقيًا، وستكون الولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد منيتا بخسارة استراتيجية كبرى.
قد يتعجب البعض من هذه المقدمة ويسأل مستنكرًا: ولكن أمريكا وإسرائيل تمكنتا من الانتصار عسكريًا ووجهتا ضربات قاتلة لإيران وبنيتها التحتية والعسكرية، واغتالتا المرشد الأعلى على خامنئى ومعه عشرات القادة وكبار المسئولين وعلماء البرنامج النووى، وحجم الخسائر البشرية والمادية الإيرانية أعلى عشرات وربما مئات المرات من مثيله لدى أمريكا وإسرائيل؟!
وهذا تساؤل منطقى وطبيعى ويردده كثيرون فى كل لحظة، لكن النقطة المهمة التى يغفلها هؤلاء أن النتائج الفعلية للمعارك العسكرية لا تقاس إطلاقًا بحجم الأضرار أو الخسائر البشرية والمادية فقط، لكن تقاس فى الأساس بالنتائج السياسية طويلة المدى المتحققة على الأرض.
نعلم تمامًا أنه لا توجد مقارنة إطلاقًا بين حجم القوة العسكرية الأمريكية المهولة والأكبر عالميًا، ومعها القوة الإسرائيلية الأقوى إقليميًا بفضل الدعم الأمريكى، وبين القوة العسكرية الإيرانية المتوسطة المستوى، لكن لو أن القياس فقط بحجم القوة النيرانية والأسلحة والمعدات بل والقنابل النووية، فالسؤال المنطقى هو: ولماذا انهزمت أمريكا النووية فى فيتنام وأفغانستان وربما العراق، رغم أن الطرف المقابل تكبد خسائر بشرية واقتصادية مهولة؟!
ولا يمكن أن ننسى أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل كانوا متفوقين عسكريًا على مصر أثناء العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، لكن ما انتهت إليه الحرب هو انتصار سياسى مصرى واضح، أدى إلى بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية «لحظة السويس» وصعود نظيرتها الأمريكية وقيادة مصر للأمة العربية.
نعود إلى ما بدأنا به ونقول إن إسرائيل حينما شنت الحرب ومعها أمريكا على إيران فى يونيو الماضى، ثم حينما شنت أمريكا الحرب مرة أخرى ومعها إسرائيل فى ٢٨ فبراير الماضى، فإن الأهداف الأساسية لهذه الحرب كانت إسقاط النظام الإيرانى ومعه كل وكلائه وتصفية وتفكيك البرنامج النووى الإيرانى وتسليم اليورانيوم المخصب لأمريكا وتقليص البرنامج الصاروخى الإيرانى بحيث لا يصل فى أى حال من الأحوال إلى إسرائيل. وبمقارنة هذه المطالب والشروط بالواقع بعد حرب الأربعين يومًا، يتضح طبقًا لمعظم المراقبين بمن فيهم كثير من الأمريكيين والإسرائيليين أنه لم يتم تحقيق غالبية هذه الأهداف حتى هذه اللحظة.
المفارقة أولا واستنادا إلى بنود مذكرة التفاهم المقترحة فستكون هناك مفاوضات لمدة شهرين بشأن البرنامج النووى الإيرانى؛ حيث أعلنت طهران أكثر من مرة أنها لم توافق حتى الآن على إنهاء برنامجها النووى بالكامل، أو تسليم اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة. وبالمناسبة هذا هو ما كان مطروحًا على طاولة المفاوضات قبل بدء الحرب فى نهاية فبراير الماضى.
ثانيًا: لم يكن مطروحًا رفع العقوبات عن تصدير النفط الإيرانى أو فك التجميد والحظر عن الأموال الإيرانية المجمدة بصورة جادة قبل الحرب، الآن توافق أمريكا على هذين الشرطين المهمين، مقابل فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحرى على الموانئ الإيرانية.
والخطأ الاستراتيجى الأكبر الذى وقع فيه ترامب وإدارته أنه لم يدرس إطلاقًا أن تستخدم طهران مضيق هرمز كورقة تفاوضية، رغم أن خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز يمر عبره وانساق وراء أوهام وأحلام نتنياهو!!
ثالثًا: لم نسمع إطلاقًا أى حديث فى مذكرة التفاهم بشأن البرنامج الصاروخى الإيرانى أو المسيرات، وهو الأمر الذى يزعج إسرائيل تمامًا بجانب قضية البرنامج النووى.
رابعًا: لا تتضمن مذكرة التفاهم كلامًا محددًا عن إنهاء دور وكلاء إيران، بل إن طهران تشترط أن يشمل وقف النار جميع الجبهات خصوصًا جنوب لبنان، وإذا تم اعتماد هذا الشرط، فسيكون أسوأ ضربة يمكن أن يتلقاها نتنياهو، ما لم يتمكن من إقناع ترامب بأن يصر على استمرار نفس المنهج المتبع حاليًا مع حماس فى غزة، أى حرية حركة الجيش الإسرائيلى ضد حزب الله، على أن يلتزم الأخير الصمت الدائم.
مرة أخرى، هذه قراءة مبدئية وغير نهائية، وتتوقف على الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم، وصولًا إلى الاتفاق الكامل الذى يفترض توقيعه خلال ٦٠ يومًا من وقف إطلاق النار.
علينا الانتظار، حتى تصل المذكرة إلى مقر إقامة المرشد الأعلى الإيرانى مجتبى خامنئى، ويوافق عليها، لكن وفى كل الأحوال فإن الأمور لم تسر كما كان يتمنى ترامب، حتى لو أستأنف القتال مرة أخرى، فطالما النظام الإيرانى لم يسقط أو يرفع راية الاستسلام فإن ترامب يكون خاسرًا كبيرًا ومعه نتنياهو.