الأخطر من تقلب الدولار وسعر الفائدة - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الإثنين 20 يوليه 2026 3:10 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

الأخطر من تقلب الدولار وسعر الفائدة

نشر فى : الأحد 19 يوليه 2026 - 8:55 م | آخر تحديث : الأحد 19 يوليه 2026 - 8:55 م

 فى الأسبوع الماضى قال مجدى طلبة الذى يملك شركة كبرى للملابس الجاهزة أن أكبر تحدٍ يواجه الصناعة المصرية ليس فقط ارتفاع أسعار الفائدة، أو تقلبات سعر الصرف ولكن النقص المتزايد فى العمالة المدربة. واستمرار هذه الأزمة يحد من قدرة القطاع الصناعى على تحقيق طفرة تصديرية.


طلبة تحدث لـ«العربية بيزنس» وقال إن مصر تمتلك مؤهلات كثيرة لمضاعفة صادراتها، لكن ذلك مرهون بالاستثمار فى العنصر البشرى وإعادة الاعتبار للتعليم الفنى ورفع جاذبية العمل داخل المصانع.


أخطر ما قاله إن سوق العمل شهدت تغيرات واضحة فى السنوات الأخيرة، وإن عددا كبيرا من الشباب يفضلون العمل فى أنشطة غير رسمية مثل «التوك توك» بدلا من الالتحاق بوظائف مستقرة داخل المصانع، رغم أن الأخيرة توفر فرصًا للتدريب وبناء مسار مهنى طويل الأجل..


فى تقديرى أن ما قاله طلبة كلام شديد الأهمية والخطورة. هو كلام ليس جديدا، ويكرره كثير من رجال الأعمال والمستثمرين طوال الوقت، لكن للأسف لا نجد خطوات عملية للخروج من هذا المأزق الذى يشبه مع الفارق ما فعله العثمانيون حينما غزوا مصر عام ١٥١٧ وأخرجوا آلاف الصناع المهرة المصريين إلى تركيا. لكن هذه المرة نحن نؤذى أنفسنا بأيدينا، والنتيجة هى استنزاف للعقول البشرية وتراجع المعروض من العمالة المؤهلة وارتفاع تكلفة التشغيل، وإبطاء خطط التوسع لدى الشركات.


العديد من المصانع تستطيع فى مرات كثيرة توفير التمويل والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية، لكنها تجد صعوبة شديدة فى العثور على عمالة مدربة.


وأتذكر أننى زرت معمل تكرير مسطرد قبل سنوات، ويومها لفت نظرى وجود عمالة أجنبية فى المعمل، وسألت الدكتور أحمد هيكل رئيس مجلس الإدارة، فقال لى يومها إنهم لم يجدوا فنيى لحام مصريين بمرتب ٤٠٠ جنيه فى اليوم، وكان مبلغا كبيرا أيامها، فاضطروا إلى استقدام عمالة آسيوية تتقاضى أجرها بالعملة الصعبة.


كنا نسخر من بعض الدول العربية قليلة السكان التى تستعين مضطرة بعمالة أجنبية غالبيتها آسيوية، وكنا نفاخر دائما بأن لدينا العدد الأكبر من العمالة الماهرة والمتعلمة، ثم وصلنا إلى حال نضطر فيه إلى استيراد عمالة أجنبية فى بلد عدد سكانه يزيد على ١١٠ ملايين نسمة. وبه عشرة ملايين لاجئ أو مهاجر من جنسيات مختلفة، بعضهم يعمل فى وظائف متنوعة كانت حكرا على المصريين حتى وقت قريب.


بالطبع هناك أسباب كثيرة لانصراف الشباب عن العمل بالمصانع والعمل بالتوك توك منها عدم الحاجة إلى مؤهل أو تدريب والحصول على دخل نقدى يومى والعمل بساعات مرنة، وانخفاض أجور بعض المهن الفنية والهجرة للخارج للعمل أو الإقامة وضعف منظومة التدريب المهنى واتساع الاقتصاد غير الرسمى. لكن فى نظرى أن التوك توك سيظل السبب الأبرز لتراجع عدد العمالة الفنية الماهرة وانخفاض مستواها بل وأحد أهم الأسباب فى الزحام والفوضى وتردى الذوق العام، وطوال الوقت أدعو ألا يسامح الله أولئك الذين أدخلوا هذه المعدة الجهنمية.


لا توجد تقديرات رسمية للعاملين على التوك توك، لكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن عددهم يتراوح بين ٢,٥ و٣ ملايين مصرى.


طبقا لإحصاءات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى السنوات الأخيرة فإن عدد خريجى التعليم الصناعى نحو ٣٠٠ ألف، والتجارى ٢٧٠ ألفا، والزراعى ٥٠ ألفا، والسياحة والفادق ٣٠ ألف سنويا تقريبا.


أى أن إجمالى الخريجين يتراوح بين ٥٢٠ - ٦٢٠ ألف خريج سنويا. للأسف الشديد فإن معظمهم لا يتلقون تعليما فعليا وبعضهم لا يذهب إلى المدارس أساسا.


فى ظنى أن الدولة بدأت تهتم فى السنوات الأخيرة بهذه الظاهرة ولذلك شرعت فى التوسع فى إنشاء الكليات التكنولوجية وهى تعوض جزءا نفسيا مهما للخريج باعتبارها كلية وليست دبلوما فنيا، لكن عددها لا يزال قليلا، وعدد خريجيها سنويا يتراوح تقريبا بين ٥ - ٨ آلاف خريج.


لكن جوهر المشكلة يكمن فى مئات الآلاف الذين يحملون شهادة ورقية بأنهم حصلوا على دبلوم فنى. ومن دون علاج حقيقى لهذا الأمر، فإن الأزمة سوف تستمر وتتفاقم.


أدرك تماما أن وجود تعليم فنى حقيقى هو الحل الناجع لجزء كبير من مشاكلنا، وأدرك أكثر أن ذلك يحتاج إلى موارد ضخمة من أول المدارس إلى المعدات والتدريب نهاية بأجور عادلة للمدرسين، لكن لا مفر من مواجهة المشكلة وجعلها أولوية تتقدم على أى مجال آخر. نحن لا نتحمل فى دولة عدد سكانها ١١٠ ملايين نسمة وتواجه مشاكل اقتصادية متنوعة ومديونية ضخمة أن تستورد عمالة من الخارج..

عماد الدين حسين  كاتب صحفي