ترامب والانزلاق فى المستنقع الإيرانى - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الخميس 16 أبريل 2026 1:19 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

ترامب والانزلاق فى المستنقع الإيرانى

نشر فى : الأحد 5 أبريل 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الأحد 5 أبريل 2026 - 5:55 م

بعد أقل من يومين على تهديده بإعادة الإيرانيين إلى «العصر الحجرى» إن لم يرضخوا لشروطه، فوجئ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتقارير متتالية عن إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرتين حربيتين أمريكيتين من طرازى "  F 15" و"A 10"، وإصابة مروحية «بلاك هوك».

ورغم إدراكه بأنه تلقى ضربة موجعة، إلا أنه حاول إقناع الرأى العام بأنه لم يهتز، وسارع إلى التأكيد أن تلك الخسائر «لن تؤثر على المفاوضات»، التى ترفضها إيران.

وبين وصلة التهديد بـ«السحق»، وحديث «التفاوض»، لم يُخف ترامب نواياه الحقيقية؛ إذ عبر صراحة عن رغبته فى «الاستيلاء على النفط الإيرانى لتحقيق ثروة طائلة»، فى اعتراف فج بأن العدوان على إيران يستهدف السطو على مواردها النفطية، بما يعزز موقع بلاده فى حرب الطاقة التى تخوضها ضد الصين، بعد استيلائها على نفط فنزويلا.

على خلاف أسلافه الذين كانوا يبررون عدوانهم على الآخرين بـ«المقرطة والدفاع عن حقوق الإنسان»، يتحدث ترامب بقدر لافت من الابتذال، كاشفًا الوجه القبيح لسياسة بلاده الخارجية التى تحكمها اعتبارات القوة، وتديرها شبكات معقدة تضم مؤسسات الدولة العميقة، ومجمع الصناعات العسكرية، وشركات التكنولوجيا، وجماعات الضغط.

لا يكتفى الرجل بتصريحاته المتضاربة حول تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، بل يذهب أبعد من ذلك فيجاهر بارتكاب جرائم حرب، ويهدد باستهداف البنية التحتية المدنية، من محطات كهرباء ومياه إلى الجسور؛ وحين نفذ أحد تهديداته وقصف جسر كرج، تباهى بذلك ونشر مشاهد الدمار على «تروث سوشيال» وأرفقها بعبارة «المزيد قادم».

مشكلة ترامب مع هذه الحرب أعمق بكثير من مجرد سوء تقدير عسكرى أو استخبارى عرضه عليه رئيس الاستخبارات الإسرائيلية فى يناير الماضى؛ إذ تتصل بسماته الشخصية وطبيعة سلوكه فى إدارة الأزمات.

لم يجد الكاتب الأمريكى توماس فريدمان وصفًا أدق من اعتباره رجلا «مندفعًا متهورًا وغير مستقر»، مشبهًا إياه بـ«طفل يعبث بأعواد الثقاب داخل غرفة غاز»، ومؤكدًا أن الخطأ الجوهرى فى هذه الحرب يكمن فى «الاستهانة بقدرة إيران على الصمود، والافتراض الساذج بأن الضربات الجوية وحدها كفيلة بإسقاطها».

وفق دراسة أشرف عليها عالم النفس الأمريكى أوبرى إيميلمان، يتسم ترامب بـ«نزعة استغلالية مهيمنة، واندفاعية حادة، وتقلب وعدم استقرار، إلى جانب ميل واضح للارتياب»؛ تفسر تلك الصفات إصراره على مواصلة التصعيد، حتى يفرض على خصمه القبول بـ«استسلام غير مشروط».

رجل بهذه التركيبة لا يقبل الخروج من المعركة بخسارة، ولا بتعادل؛ لذا، حين تصطدم وعوده بالواقع، يلجأ إلى مهاجمة الإعلام واتهامه بالكذب، فى محاولة لتزييف صورة الفشل؛ فى المقابل، يفاقم الأداء العسكرى لإيران وصلابة قادتها من مأزق الرئيس الأمريكى، ويدفعانه إلى الاستمرار أيا كانت المآلات.

يشبه ترامب المقامر الذى يرفض الاعتراف بالخسارة؛ فكلما خسر جولة، ضاعف الرهان فى التالية أملًا فى التعويض، ليدخل لدائرة مفرغة يصعب الخروج منها.

فى ظل هذه المعطيات، لا يبدو مستبعدًا أن يمضى ترامب إلى أبعد مدى، سواء بمحاولة السيطرة على جزر إيرانية استراتيجية، أو الدفع بقوات خاصة لتنفيذ عمليات فى العمق الإيرانى، وهى خطوات قد تجعل العودة إلى نقطة البداية شبه مستحيلة.

ولأنه رئيس «جاهل وغير مؤهل» على حد تعبير الصحفى الاستقصائى سميور هيرش، فليس لديه إدراك بتعقيدات الحروب التى خاضتها بلاده فى الشرق الأوسط.

ويذكر هيرش الرئيس الأمريكى بجملة من الحقائق؛ فإيران ليست دولة هامشية، بل قوة إقليمية كبيرة من حيث المساحة والسكان والقدرات، وأى رهان على كسرها بالقصف الجوى وحده هو تكرار لوهم قديم.

هذا الوهم أعاد الولايات المتحدة إلى مستنقع حرب فيتنام، حين وعد أربعة رؤساء أمريكيين بنصر قريب، قبل أن تنتهى الحرب بهزيمة مذلة؛ يومها، اعتقدت واشنطن أن القصف المكثف سيكسر إرادة الفيتناميين، لكن النتيجة كانت عكسية؛ فكلما تصاعد العنف، ازداد الصمود.

اليوم، يبدو أن ترامب يسير فى الطريق ذاته، مدفوعا بما يمكن تسميته «نرجسية الإنجاز» وتضليل الدائرة الضيقة المحيطة به؛ فإغلاق مضيق هرمز واستنزاف القدرات العسكرية قد يتحولان إلى نسخة جديدة من هجوم «تيت»، أى لحظة فاصلة تكشف حدود القوة الأمريكية.

كما فشلت واشنطن فى فرض إرادتها على فيتنام، قد تجد نفسها عاجزة أمام إيران؛ وبينما تتراكم الخسائر، يبقى السؤال «هل يواجه ترامب الحقائق.. أم يواصل السير نحو مستنقع قد لا يغرق فيه وحده فالعالم كله فى طريقه للنزلاق؟».

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات