يمكن اعتبار رواية «بيت الجاز»، الصادرة عن دار الشروق لنورا ناجى، والتى فازت عنها بجائزة الشيخ يوسف بن عيسى، أكثر أعمالها طموحًا وتجريبًا، ورغم قوة عالمها الواقعى شديد الخشونة والقسوة، فإن روايتنا - فى جوهرها - ليست سوى قراءة لفن الحكى نفسه؛ باعتباره تعبيرًا عن الذات أولًا وأخيرًا، ولكن عبر أقنعة وقصص الآخرين، وباعتباره اكتشافًا لآلام الكاتب نفسه، عبر اكتشافه لآلام الآخرين.
هذا هو سبب البناء المعقد والماكر للرواية، والذى سأفككه لك حالًا، وهذا سبب زاويتى القراءة للنص، كعمل واقعى عن مهمشى مدينة إقليمية كبرى مثل طنطا، بنفس الدرجة التى يمكن فيها اعتباره عملًا تأمليا عن فعل الكتابة، وحدود الواقع والخيال، وعلاقة المؤلف بمادته، وبهذا المزيج المركّب من ذاكرة شخصية وذاتية، وعالم موضوعى ومؤثر.
نستطيع سرد اللعبة بعد تفكيكها، كما يلى: رضوى كاتبة روائية، تأثّرت منذ سنوات بحادثة حقيقية بشعة قرأتها فى الصحف، عن سقوط طفل حديث الولادة إلى الشارع من نافذة حمّام مستشفى!
الآن تقرر رضوى، التى أثقلها عالم الكتابة بضغوط شتى، أن تكون روايتها الأخيرة عن تلك الحادثة. فى سبيل ذلك ستكتب رضوى روايتها عبر شخصيتين خلقتهما: مرمر البائسة ذات الثلاثة عشر عامًا، وهى أم الطفل ثمرة الاغتصاب من العم، ويُمنى الطبيبة، التى رأت من بلكونتها فى البيت المقابل وقائع انتهاك مرمر، ثم احتراق جسدها تخلصًا من المأساة، ويُمنى متزوجة ولديها أيضًا مشكلة حمل غير شرعى من زميل لها، وتريد التخلص من حملها.
خطوط متقاطعة تصنع شبكة علاقات سردية متداخلة، يزيد من تركيبها أن السرد كله لا يستخدم ضمير المتكلم أبدًا، ولكنه يتم عبر تقنية «الرواى العليم»، الذى ينتقل من الحديث عن الكاتبة رضوى إلى الحديث عن حقيقة ما حدث فى مأساة «بيت الجاز» إلى الحديث عن المأساة، ولكن كما كتبتها رضوى فى روايتها.
من المؤكد أن هذا الطموح الفنى أحدث ارتباكًا وتكرارًا رغم ذكائه ومكره الفنى، ولكنه حقق هدفين مهمين: الأول؛ بجعل مرمر، وهى شخصية يُفترض أنها حقيقية، ويُمنى، وهى شخصية استلهمتها رضوى من الواقع أيضًا، نماذج فنية تمامًا تُروى من خلال عيون رضوى، أى إننا أمام رواية عن مطبخ كتابة رواية بذرتها واقعية، ولكنها صارت «عملًا فنيّا مستقلًا» تمامًا عن أصله.
الهدف الثانى هو أنك ستكتشف، رغم زوايا الرؤية المختلفة، والتنوع الطبقى والاجتماعى والتعليمى، وجود تقاطع بين أزمة مرمر، ومأزق يُمنى، ومعاناة رضوى، وأن الرواية التى تكتبها رضوى لم تكن - فى جوهرها - إلا محاولة منها لكى تحرّر ذاتها، عبر تحرير مماثل لمرمر، وليُمنى.
هنا معنى بديع حقًّا، يؤكد ما ذكرته من قبل من أن الواقع الموضوعى (حادثة حقيقية نشرتها الصحف)، لا يصبح هو نفسه أبدًا عندما يتحول إلى فن، وإنما يختلط بذاكرة وألم الكاتب، ويعاد تشكيله، وأن كتابة الآخر عبر الأقنعة والخيال والواقع، ليست فى حقيقتها سوى اكتشاف هائل لأعمق جزء فى ذات الكاتب.
جاء النص كتنويعات على مقام الألم والضعف، عبر الشخصيات الثلاث رضوى ويمنى ومرمر، وعبر الحقيقة والخيال، ومثل عرائس الماتريوشكا المتداخلة، فإن يمنى تتأمل وتشاهد مأساة مرمر اغتصابًا واحتراقًا، وتعود لتتأمل حياتها الخالية من المعنى، ثم نكتشف أن رضوى هى التى تتأمل مرمر ويمنى واقعا وخيالا وتكتبهما، وستعرف رضوى أن هذه الكتابة قد أخرجت ذاكرتها ومعاناتها الشخصية، كابنة لقيطة لا تعرف أسرتها الحقيقية، وككاتبة تريد أن تتحرر «من الكتابة»، بما تسميه «روايتها الأخيرة»، ولكنها، دون أن تقصد، ستتحرر «بالكتابة»، وستتمسك بها.
هى إذن «ميتا رواية»، أو رواية عن رواية، لرصد معاناة الواقع الفج الخشن، وأيضًا معاناة الكاتب فى تشكيله واكتشافه، من هنا يجتمع للنص تفاصيل خشنة عن المثلث المرعب: بيت الجاز، ومستشفى الجذام، والمقابر، وتفاصيل هواجس وعالم الشخصيات الداخلى، كما يمتد السرد إلى شخصيات حول «مرمر»؛ مثل: نجاة وثريا وعوض، والعم زيزو سبب مأساتها، ويمتد أيضًا إلى جسد المدينة الذى يتغير جذريا، مثلما يتغير جسد مرمر ويُمنى.
يسير الحكى دومًا من الآخر إلى ذات كل شخصية، وبالعكس، أى إن الحركة تستمر من الخارج إلى الداخل، وبالعكس، وهو منهج صحيح متسق مع الفكرة، وإن ظهرت مشكلات واضحة، أبرزها أن الحدث الخارجى فى تصاعده إلى الذورة عبر الشخصيات الثلاث، لم يكن متوازنًا مع تفكيك العالم الداخلى لكل شخصية، مما أدى فى مناطق كثيرة إلى العودة إلى ما تركناه، ومما جعل السرد ساكنا، وليس متحركًا إلى الأمام، كما أن مسألة المراوحة بين «الحقيقة» و«الرواية» ظلت ملتبسة، فهل المقصود مثلًا حقيقة الحادث الفعلية كما نشرته الصحف؟ ثم أليست الرواية نفسها «حقيقة موازية» أو «حقيقة فنية» منطلقة مما حدث فعلا؟
ولكن قوة «بيت الجاز» تظل دومًا فى هذه اللعبة بين ما يفعله الواقع القاسى فى الشخصيات، وما تفعله الكتابة فى تشكيل هذا الواقع ليكون فنا، يعبر أيضًا عن ذات الكاتب، بالإضافة إلى قوة مجازات كثيرة متداخلة، فالجسد حاضر ببراعة عبر عدة مستويات، من لحم ودماء الشخصيات، إلى جسد المدينة، وصولًا إلى تشكّل جسد رواية تكتب أمامنا فصلًا فصلًا، وفعل السقوط والإسقاط والاحتراق يتكرر على مستويات كثيرة، واقعية ومجازية.
تتلصص يُمنى على مرمر، وتتلصص رضوى على الاثنتين، ثم تجىء نورا ناجى نفسها، عبر تقنية الرواية العليم، لتتلصص على الجميع. هذا هو جوهر فن الرواية والسرد: كتابة ظاهرها القناع والآخر والتلصص الخارجى، فيما هى كتابة وفعل تلصص واكتشاف الكاتب لذاته ولمخاوفه.
كل كتابتنا «ذاتية» حتى بالكتابة عن الآخر، ليس بالسرد الساذج عما حدث لنا، وإنما بتمثّل الآخر عبر ذاتنا وهواجسنا ومعاناتنا. هذا ما يجعل من «بيت الجاز» رواية مهمة شكلًا ومضمونًا.
إنها رواية عن الكاتب ومادة الواقع معًا.