(1)
صدرت رواية «فى ظلال شجرة الرمان» بالإنجليزية للمرة الأولى فى 1992، لم أقرأ الرواية فى ترجمتها الأولى التى صدرت عام 1995 بتوقيع أستاذ الأدب القدير إبراهيم السعافين، إنما قرأتها فى ترجمتها التى صدرت فى نهايات 2011 (أو قل مطالع 2012) بتوقيع الكاتب والروائى الموهوب محمد عبد النبى، عن دار الكتب خان بالقاهرة.
رواية باذخة ومهمة حقا، وتستحق بالفعل ما نالته من حفاوة نقدية، والتفات من أكبر الأسماء فى عالم القراءة الأدبية والنقد الأدبى، لكن ما استوقفنى هو إدراج الناقد الكبير شكرى عياد هذه الرواية ضمن ما اعتبره تيار أو خط إنتاج روائى يبحث عن أسطورة الأندلس والفردوس المفقود.
فبداية من العنوان «ظلال شجرة الرمان»، فإن اختيار الكاتب لموضوعه هذا بالذات له دلالة على قوة الظاهرة التى تعود إلى عقود عدة فى الأدب العربى الحديث؛ وأعنى بها اتجاه عدد من الروائيين الذين ينتمون إلى الثقافة العربية نحو حقبة معينة من تاريخ الأندلس، وهى حقبة نهاية الوجود العربى الإسلامى فى شبة الجزيرة الأيبيرية، وكذلك ما بعد النهاية؛ أى حقبة التطهير العرقى لبقايا العرب والمسلمين بعد سقوط غرناطة سنة 1492م.
لعل من أشهر هذه الأعمال: «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، «ليون الأفريقى» لأمين معلوف، وغيرهما من الروايات.
وفى الدراما العربية لا ننسى المسلسل الشهير الذى كتبه محفوظ عبد الرحمن، وأخرجه عباس الأرناؤوط بعنوان «ليلة سقوط غرناطة» فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى.
(2)
فى الأول من ديسمبر عام 1499، وقبل عام واحد من مفتتح القرن السادس عشر، قرن «التحول العظيم» فى الغرب الأوروبى، دخلت فرقة جنود بقيادة خمسة فرسان مكتبات غرناطة التى تبلغ مائة وخمسا وتسعين، واثنى عشر قصرا، حيث أودعت أشهر المجموعات الخاصة من الكتب والمؤلفات التى حملت «زبدة» ما وصل إليه العقل العربى المسلم، وخلاصة ما تركه مفكرو الإسلام وعلماؤه، وما نقلوه عن غيرهم، وصادروا كل ما هو مكتوب باللغة العربية.
هذه الحقائق التاريخية المثبتة، اعتمد عليها «طارق على» كمدخل وتوطئة لنسج شبكة الأحداث والتفاصيل التى ستنطلق منها الرواية، إطارها التاريخى العام، يتناول نهاية الوجود التاريخى للمسلمين فى الأندلس عقب سقوط غرناطة عام 1492 من خلال تتبع قصة عائلة عربية مسلمة خلال عامى 1499 و1500 كانوا يعيشون فى قرية على تخوم غرناطة، هى قرية «هذيل» المسماة على اسم العائلة العربية.
تحشد الرواية تفاصيل مهمة عن الاضطهاد الدينى، ومحاكم التفتيش، وعمليات التهجير القسرى، والخيارات الإجبارية المتاحة أمام العائلات العربية المسلمة: التهجير أو المقاومة أو التحول الدينى (ما أشبه الليلة بالبارحة!)
من الصعوبة بمكان تلخيص أحداث الرواية أو الوقوف تفصيلًا عند مصائر أبطالها التراجيديين، لكن من المهم الإشارة إلى أن الرواية تحكى لنا ببراعة شديدة عما يفعله التعصب باسم الدين فى الحضارة، مهما كانت العبارات البراقة التى يتستر وراءها المتعصبون والجهلاء، ميراث من الشقاء يورثه المجانين للحمقى فى كل زمان ومكان.
نرى ونتتبع قصص بطولات العائلة الدرامية التى تبعث ماضيا اختفى من التاريخ، حاملةً إلى الحياة فترة مضطربة أعقبت سبعة قرون كاملة، عالم القرون الوسطى الشهوانى النابض بالحياة، نرى حرائق الكتب والمعارك، ونلقى الوعاظ وقطاع الطرق، والعشاق والشعراء، المؤمنين المتشددين والمتشككين، كبار الطهاة الفاسقين، وخدم العائلة، كلهم يعيشون على شفا حضارة توشك أن تغيب..
(3)
«ظلال شجرة الرمان» رواية تاريخية بامتياز، عن غروب شمس الأندلس، تراجيديا هائلة عن صراع العقائد والأفكار والسيوف والسلطة والثروة. كتبت بحس إنسانى وتاريخى واجتماعى مذهل، فيها نقد عنيف للجانبين المسلم والمسيحى، وفيها تحليل عميق لصعود الإمبراطوريات وسقوطها، درس التاريخ من أجل اليوم والغد. على لسان كبير عائلة «بنو هذيل»، يوجز بحكمة ومرارة الدرس الذى لم يستوعبه أحد أبدًا:
«لقد أسسنا العديد من الأسر الحاكمة، وأخفقنا فى أن نتبين طريقة لحكم شعوبنا تقوم على ما يمليه العقل السديد. فشلنا فى ترسيخ قواعد سياسية قادرة على حماية جميع مواطنينا ضد نزوات الحكام.. نحن من أرشد بقية العالم فى ميادين العلوم والعمارة والطب والموسيقى والأدب والفلك.. نحن من كنا أصحاب الفضل والسبق والامتياز، لم نستطع أن نلتمس الطريق الصحيح نحو الاستقرار وحكم ينهض على العقل.. كانت تلك نقطة ضعفنا، وقد وعى مسيحيو أوروبا الدرس من خطئنا هذا»..
سردية مؤسية عن إمبراطورية انتهت بالفعل، كل شىء محكوم عليه بالنهاية، ولكن قرية «الهذيل» وسكانها تستقبل قدرها بلا خوف مثل شخصيات الدراما الإغريقية، تراجيديا يساق أبطالها إلى مصائرهم المحتومة، وحيث المؤلف فى الرواية مشغول بمصائر أبطال «جداريته الروائية» التى وضعت اسم مؤلفها فى مصاف الروائيين المعروفين على مستوى العالم، وكانت هى بذاتها قد ضمنت مكانها باعتبارها إحدى أبرز روايات الأدب المعاصر، وبما تضمنته من مناقشات عقلية ممتازة وحوارات ثرية إضافة إلى حالة شعورية متخمة بالألم والعذاب والدموع..
إنها حقا مروية تراجيديا الفقد والاستعادة. ومرثية روائية للفردوس المفقود!!