مؤرخ الحياة الحزبية فى مصر - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 27 يونيو 2026 9:22 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

مؤرخ الحياة الحزبية فى مصر

نشر فى : السبت 27 يونيو 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : السبت 27 يونيو 2026 - 7:30 م

 

(1)
استهل الدكتور أحمد زكريا الشلق عمله كمؤرخ مرموق للتاريخ المصرى الحديث والمعاصر، بالتأريخ الدقيق والمنضبط للحياة الحزبية فى مصر فى الفترة شبه الليبرالية (1923-1952)، وبالتحديد منذ بداية التجربة الحزبية الأولى فى مصر، التى بدأت عام 1907. وقد أصدر الدكتور زكريا الشلق فى هذا الإطار أربعة كتب كاملة، هى:


«حزب الأمة ودوره فى السياسة المصرية» (1979)، ثم كتاب «حزب الأحرار الدستوريين» (1982)، وكتاب ثالث يُعد أول دراسة من نوعها عن أول حزب سياسى أسسه المثقفون المصريون فى أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1918 تحت اسم (الحزب الديمقراطى المصرى)، وقد مثَّل آنذاك تجربة حزبية جديدة تمامًا فى الحركة الوطنية والثقافية فى مصر. أما الكتاب الرابع والأخير، فقد صدر عن دار الشروق بعنوان «ثورة يوليو والحياة الحزبية ـ النظام وأزمة احتواء الجماهير»، الذى أرَّخ فيه لتصفية الأحزاب وانتهاء التجربة الحزبية مع حكم قادة ثورة يوليو، ثم محاولات تأسيس تجربة حزبية بديلة أو جديدة قوامها الحزب الواحد أو التشكيل السياسى الواحد، وإن تغيَّرت الأسماء (هيئة التحرير، الاتحاد القومى، الاتحاد الاشتراكى.. إلخ). وقد قدم الدكتور الشلق قراءة نقدية تاريخية منضبطة لهذه التجربة ولهذه المرحلة ككل.


وفى حدود معلوماتى وبحثى المتواضع، فإن هذا الجهد يمثل أكبر جهد تأريخى بُذل فى نصف القرن الأخير لتأريخ الحياة الحزبية المصرية خلال تلك الفترة، مع التركيز على تاريخ أكبر حزب مصرى كان تاليًا للوفد فى مساحات التأثير والعمل على الساحة المصرية آنذاك، وهو حزب الأحرار الدستوريين.


(2)
ولقد انطلق الدكتور الشلق فى عمله كله من أدبيات المدرسة التاريخية المصرية ومبادئها الأصيلة، وعلى رأسها أننا لا نكتب تاريخنا أو أى تاريخ آخر إلا بعد مرور فترة زمنية، أيًا ما كانت، المهم أن تكون قد تكشفت فيها الوثائق والمستندات والأوراق، وكل ما يمكن اعتباره مصدرًا تاريخيًا معتمدًا بعد الفحص والتمحيص والنقد، وحتى يستطيع المؤرخ أن يتجنب الهوى والميل الذاتى، ويُحجِّم من انحيازاته قدر المستطاع، وكلما اقترب أكثر من الموضوعية والتجرد، أصبح أكثر إنصافًا وقدرة على استبصار الحقيقة.


وقد أنفق الدكتور الشلق قرابة عشر سنوات من عمره متفرغًا لدراسة حزب «الأمة» أولًا، الذى أصبح تاليًا حزب الأحرار الدستوريين، وبينهما كانت تجربة الحزب الديمقراطى المصرى. والحقيقة أن هذه الأعمال الثلاثة التى خصصها الدكتور الشلق لدراسة هذه الأحزاب، باعتبارها تجربة واحدة ممتدة متصلة، تمثل طبقة الأعيان والمثقفين، وتكشف عن أدوارهم الجلية والعميقة والمؤثرة فى الحياة السياسية المصرية والاجتماعية والثقافية على السواء.


من هنا كان منطقيًا أن يستهل الدكتور الشلق بحثه بحزب (الأمة)، وارتباط نشأته بصحيفة الجريدة لمؤسسها أحمد لطفى السيد، ثم تأسيس الحزب وما قدمه من تحليل اجتماعى على جانب كبير من القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية التى زخرت بها هذه الفترة من تاريخنا، كعلاقة مصر بالدولة العثمانية، وسلطة الخديو، والدستور، ومدافعة الاحتلال البريطانى، والدعوة إلى فكرة (القومية المصرية) ووضعها فى مكانها الصحيح، من الناحيتين النظرية والعملية، وموقف الحزب من الأحزاب الأخرى.. إلخ. وكانت هذه الدراسة التأسيسية الرائعة هى أطروحته التى نال عنها درجة الماجستير عام 1977.


ولم يكن غريبًا أن يكمل الدكتور الشلق مساره التأريخى المميز، فاختار للدكتوراه موضوعًا متصلًا بحزب (الأمة)، وهو حزب (الأحرار الدستوريين)، والمؤلف نفسه قد اعترف بهذه الصلة العضوية بين الحزبين، فجعل موضوع الفصل الأخير من بحثه بعنوان: «من حزب الأمة إلى حزب (الأحرار الدستوريين)».


فإذا كان هذا الحزب قد احتفظ بكثير من العناصر والرجال الذين قام عليهم حزب (الأمة)، فإنه بحكم تطور الظروف قد عمل فى مجالات أوسع، وجابهته قضايا أشد تعقيدًا، وعاش مع الأحزاب الأخرى فترة أطول مما قُدِّر لحزب (الأمة) أن يعيشها. وإذا كانت آراء الناس لا تزال تتباين حول حزب (الأحرار الدستوريين) ومواقفه، فإن أحدًا لا ينكر ما كان لهذا الحزب من أثر فى أحداث البلاد منذ قيامه عام (1922) حتى انتهاء مصيره مع الأحزاب الأخرى عام 1953.


هكذا صدر عمله الكبير الضخم عن «حزب الأحرار الدستوريين (1922-1953)» فى صورته الأولى عام 1982، وقد صدرت طبعته الأخيرة عن (دار الشروق)، وهى أفضل طبعات الكتاب وأكثرها أناقة وجمالًا وإخراجًا فنيًا.


(3)
لقد مثَّل الدكتور الشلق نموذجًا فذًا للمؤرخ المنهجى الذى يستمد مصداقيته، وقيمة ما يكتبه، من طبيعة المصادر والوثائق التى استند إليها، والتى من واجبه، والتزامًا بالأمانة العلمية والخلقية، أن يُخضعها لمعايير النقد التاريخى، حتى لا تكون مزيفة أو منتحلة أو مشوهة.

فإذا بُنى التاريخ على مثل هذه المصادر التى لا تصلح لهذا، فهو تاريخ مشوه، وما بُنى على باطل فهو باطل، وعلى المؤرخ الصادق أن يُخضع مادته الوثائقية لمعايير درسها التى تُسمى النقد التاريخى أو نقد المصادر.


وأتصور أن الدكتور زكريا الشلق، فى عمله هذا، وفى كل ما كتب ونشر وقدم للمكتبة التاريخية، قد مثَّل نموذج المؤرخ الأمين لضميره العلمى.