«دولة التلاوة» المصرية فى إيران - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 22 مارس 2026 8:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

«دولة التلاوة» المصرية فى إيران

نشر فى : الأحد 22 مارس 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الأحد 22 مارس 2026 - 6:40 م

لم يكن مستغربا أن يعلن التلفزيون الرسمى الإيرانى نبأ اغتيال المرشد الأعلى الراحل على خامنئى، على وقع تلاوة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد لآيات من سورتى «الأحزاب» و«مريم».

ففى تلك اللحظة الفارقة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، وتحديدا فى نهاية فبراير الماضى، بينما كان شريط الأخبار يزف للجمهور الإيرانى باللغة الفارسية خبر استشهاد القائد الراحل للثورة، كان صوت عبدالصمد يصدح بخشوع عميق، وكأنه صوت آت من السماء، على حد وصف خامنئى لأصوات القراء المصريين.

المشهد الذى بدا مدهشاً لبعض المصريين، هو فى الحقيقة مشهد «مألوف» لدى الشعب الإيرانى الذى تعلق وجدانه بـ«دولة التلاوة» المصرية.

علاقة الإيرانيين بمدرسة التلاوة المصرية بدأت منذ عقود، ربما منذ أربعينيات القرن الماضى، عندما بدأ القراء المصريون فى زيارة العراق ومنهم الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى وأبو العينين شعشيع، ثم سرعان ما انتقلت الأصوات المصرية إلى إيران حسب تأكيد الباحث النابه هيثم أبو زيد صاحب كتاب «دولة التلاوة: قصة التوهج ومسارات الانطفاء»؛ وفى الستينيات بلغت ذروة تماهى الإيرانيين مع جيل العمالقة مثل؛ مصطفى إسماعيل، والمنشاوى، والحصرى.

المرشد الراحل نفسه، خامنئى لم يكن مجرد مستمع وعاشق، بل كان تلميذًا وفيًا لهذه المدرسة، ولم يخف فى جلساته الخاصة والعامة انبهاره وتأثره الشديد بالعبقرية المصرية فى الأداء؛ ولفت إلى أنه فى سنوات شبابه عندما كان يدرس فى مدينة «قم»، كان يبحث بشغف عن موجات إذاعة القاهرة أو ينتظر أشرطة كاسيت كى يتعلم من «المدرسة المصرية المرجع الأهم فى هذا الفن والتى قدمت نموذجًا فريدًا فى فهم المعنى القرآنى».

وعن الشيخ مصطفى إسماعيل تحديدًا، قال خامنئى: «تلاوته ليست مجرد صوت جميل، بل مدرسة فى تصوير المعانى القرآنية»، وفى مناسبة أخرى تحدث عنه باللغة العربية قائلا «تلاوته عجب».

فى مدارس إيران ومساجدها، تحولت تسجيلات القراء المصريين إلى مرجع تعليمى حقيقى لأجيال من القراء، إذ يقول القارئ الإيرانى مهدى عادلى فى أحد برامج مسابقات القرآن: «كل قارئ إيرانى تقريبا بدأ تعلم المقامات من خلال الاستماع إلى القراء المصريين».

ويشير أبو زيد إلى أنه خلال القرن العشرين، تحولت مصر إلى ما يمكن تسميته بحق «دولة التلاوة»؛ خرج من مساجدها وإذاعتها قراء أصبحوا نجوما فى العالم الإسلامى؛ ومع انتشار أشرطة الكاسيت فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، عبرت أصواتهم الحدود واللغات، لتصل إلى بلدان بعيدة عن العالم العربى، من إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، ومن بينها إيران.

وما  إن استقرت هذه التلاوات فى تلك البلاد خاصة التى لا تتحدث العربية حتى جرى التعامل معها باعتبارها مدرسة فنية متكاملة فى الأداء القرآنى؛ حتى شاعت المقولة الشهيرة: «القرآن نزل فى مكة.. وقرئ فى  مصر".

منذ قيام الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979، ظلت العلاقات بين القاهرة وطهران متوترة فى معظم الفترات، ومع ذلك، لم تتوقف الدعوات الإيرانية للقراء المصريين للمشاركة فى المسابقات الدولية أو إحياء الليالى القرآنية.

ومع مرور الوقت، ظهرت داخل بعض الدوائر الرسمية فى مصر مخاوف من أن تتحول هذه المشاركات إلى نافذة تأثير مذهبى أو سياسى.

وبينما كانت الحكومة المصرية تنظر إلى المسألة بعين الريبة، كان ملايين الإيرانيين ينظرون إليها من زاوية مختلفة تماما، فصوت القراءة المصرية تلامس قلوبهم.

فى السنوات الأخيرة، لم يقتصر التأثير المصرى على تسجيلات كبار المقرئين القدامى والجدد، إذ ظهرات فى إيران عشرات المسابقات والبرامج التلفزيونية التى تهتم بتلاوة القرآن واكتشاف المواهب، استلهمت تلك البرامج النموذج المصرى فى تقديم التلاوة بوصفها فنًا يجمع بين العلم والصوت والمقام.

هكذا، وبعيدًا عن ضجيج التوترات السياسية التى غلفت علاقة القاهرة بطهران منذ نهاية سبعينيات القرن الماضى والتى أسفرت عن قطيعة دبلوماسية استمرت حتى وقتنا هذا، لم تنقطع العلاقة الروحية بين الإيرانيين وأصوات القراء المصريين.

ففى المساجد الإيرانية، وفى البيوت، وفى مسابقات التلاوة، ظل صوت القارئ المصرى حاضرًا، حتى جاء ذلك المشهد الرمزى بإعلان وفاة المرشد الأعلى على خلفية تلاوة عبدالباسط، ليثبت أن الإيرانيين شيعة كانوا أم سنة مُتيمون بالتلاوة المصرية.

إن الحفاظ على «دولة التلاوة»، ورعاية أجيالها الجديدة، هو استثمار لإحدى أهم أدوات مصر الناعمة، ودعم غير مباشر لحضورنا فى وجدان العالم الإسلامى.

فمصر التى وصفها المفكر العربى الكبير عبدالرحمن الكواكبى بـ«دار العلم والحرية»، تملك بوسطيتها الدينية العابرة للمذاهب وجوهرها الثقافى وعمقها التاريخى، ما يجعلها صاحبة التـأثير الأهم فى هذا الإقليم.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات