«السبت الحزين».. حين بكت إسرائيل وابتسم عبد الناصر - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 31 مايو 2026 8:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

«السبت الحزين».. حين بكت إسرائيل وابتسم عبد الناصر

نشر فى : الأحد 31 مايو 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الأحد 31 مايو 2026 - 7:15 م

فى مثل هذا اليوم قبل 56 عاما، استيقظت القاهرة وتل أبيب على صباحين مختلفين تماما؛ ففى الوقت الذى احتفت فيه الصحف المصرية بإنجاز عسكرى نوعى على جبهة قناة السويس، تحولت الصحف العبرية إلى ما يشبه دفاتر عزاء مفتوحة، بعدما تعرضت قوة مظلات إسرائيلية لكمينين محكمين أوقعا عشرات القتلى والجرحى والأسرى فى صفوف ما كان يوصف بـ«الجيش الذى لا يقهر».

فى صباح 31 مايو 1970، زفت الصحف المصرية إلى قرائها نبأ عبور وحدات مصرية قناة السويس، وتدمير مدرعات إسرائيلية والعودة بأسيرين إلى الضفة الغربية؛ أما فى إسرائيل، فقد تصدرت العملية، التى عُرفت مصريا باسم «السبت الحزين» وإسرائيليا باسم «السبت الأسود»، عناوين الصحف الرئيسية بعدما تكبد الجيش الإسرائيلى واحدة من أكبر خسائره فى يوم واحد طوال حرب الاستنزاف.

ونقلت وكالات الأنباء عن المتحدث العسكرى الإسرائيلى يوسف كلب اعترافه بأن القوات المصرية أظهرت «تخطيطا وتكتيكا متناسقا» خلال الهجوم على الدوريتين الإسرائيليتين، فى شهادة نادرة عكست حجم الصدمة التى خلفتها العملية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

لم تكن أهمية العملية فى عدد القتلى والأسرى فقط، بل فى أثرها النفسى والسياسى؛ فقد دفعت القيادة الإسرائيلية إلى عقد اجتماعات عاجلة برئاسة جولدا مائير، طُرحت خلالها مقترحات بإعادة انتشار القوات شرقى القناة لتقليل خسائر الكمائن المصرية. وبينما حاولت مائير احتواء آثار الصدمة على الرأى العام، وصف وزير الدفاع موشيه ديان العملية بأنها «قاسية ومؤلمة للغاية»، متوعدا برد واسع.

فى المقابل، نقل سامى شرف أن الرئيس جمال عبد الناصر استقبل أخبار العملية بسعادة بالغة، حتى إنه رأى على وجهه ابتسامة غابت طويلا منذ هزيمة يونيو 1967. ولم يكن ذلك بسبب نجاح عملية عسكرية فحسب، بل لأنها قدمت دليلا جديدا على أن الجيش المصرى الذى تعرض للنكسة قبل ثلاث سنوات فقط، أصبح قادرا على المبادرة والمناورة وإلحاق خسائر موجعة بعدوه.

ولفهم أهمية «السبت الحزين»، لا بد من العودة إلى السياق الذى جرت فيه. ففى مطلع عام 1970 كانت إسرائيل قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من المواجهة بعدما فشلت فى وقف عمليات الاستنزاف على الجبهة؛ وبدلا من الاكتفاء بمواجهة الجيش المصرى، قررت نقل المعركة إلى العمق المصرى أملا فى دفع المدنيين إلى الضغط على قيادتهم لوقف القتال.

ضمن هذا التصور أطلقت إسرائيل الخطة «بريما»، التى استهدفت مواقع مدنية داخل مصر؛ فجاء قصف مصنع أبو زعبل، ثم جريمة مدرسة بحر البقر التى استشهد فيها عشرات الأطفال الأبرياء، ليكشفا طبيعة الرهان الإسرائيلى القائم على كسر إرادة المصريين عبر استهداف المدنيين؛ وهو النهج ذاته الذى ما زالت تل أبيب تتبعه حتى اليوم فى غزة ولبنان، حين تحاول لى ذراع المقاتل عبر الضغط على حاضنته الاجتماعية.

لكن ما حدث كان عكس ما أرادته إسرائيل تماما؛ فبدلا من الانهيار، زاد الإصرار المصرى على مواصلة القتال؛ تسارعت خطوات بناء حائط الصواريخ، وتكثفت عمليات القوات المسلحة خلف خطوط العدو، بينما أخذت حرب الاستنزاف تتحول تدريجيا من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة.

وجاء «السبت الحزين» تتويجا لهذا التحول؛ فبعد أسابيع من التدريب والاستطلاع، نجحت مجموعتان من الصاعقة والمشاة فى استدراج دوريتين إسرائيليتين إلى كمينين محكمين فى معركة استمرت نحو سبع ساعات، واشتبك خلالها المقاتلون المصريون مع قوات العدو من «المسافة صفر»، موقعين خسائر كبيرة فى صفوفها بين قتيل وجريح وأسير.

غير أن أهمية العملية لا تكمن فقط فيما حققته من نتائج ميدانية، بل فيما مثلته من دلالة أعمق؛ فهى، ومعها عشرات العمليات التى سبقتها وتلتها حتى وقف إطلاق النار فى أغسطس 1970، أثبتت قدرة المقاتل المصرى على التخطيط والتنفيذ والعمل خلف خطوط العدو بكفاءة عالية.

وربما تكمن أهمية استدعاء ذكرى «السبت الحزين» اليوم فى أنها تذكرنا بحرب لا تزال مظلومة فى الذاكرة العامة؛ فبين هول نكسة 1967 وعظمة انتصار أكتوبر 1973، ضاعت حقيقة أن حرب الاستنزاف كانت المعركة التى أعادت بناء الجيش المصرى واستعادت ثقته بنفسه، وأجبرت إسرائيل لأول مرة على البحث عن مخرج سياسى من مواجهة لم تعد قادرة على حسمها عسكريا.

لم تكن حرب الاستنزاف مجرد فاصل بين الهزيمة والنصر، بل كانت الجسر الذى عبرت عليه مصر من الانكسار إلى المبادرة؛ وإذا كانت حرب أكتوبر قد حطمت أسطورة «الجيش الذى لا يقهر»، فإن معارك الاستنزاف كانت أول من صدع تلك الأسطورة، ومهد الطريق إلى لحظة العبور والتحرير.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات