فى كتابه «مستقبل الفيزياء» الصادر فى العام 2011 ذكر العالم الأمريكى من أصل يابانى «ميتشيو كاكو» أن أكبر لغزين فى الكون هما بداية الكون ودماغ الإنسان. نستعرض فى هذه المقالة ألغاز القوانين المتعلقة بنظريات بداية الكون.
ولفترة طويلة قام علماء الفلك ببحوث وأرصاد عديدة للتبحر فى فرضيات بداية الكون، وما زالوا يحاولون ذلك من دون أن يصلوا إلى أية نتيجة حاسمة. ونحن اليوم نقف على عتبة مهمة فى تاريخ علوم الفيزياء، نتساءل خلالها هل ستؤدى العلوم والنظريات الحالية إلى التكامل وإلى تفسير كل شىء، بما فى ذلك حل ألغاز بداية الكون، أم نكون على أبواب البحث عن نظريات جديدة لتفسير التناقضات التى تواجه علوم الفيزياء على مستوى تطارحاتها الراهنة؟
أولا: الألغاز الكبرى فى فيزياء بداية الكون
يكمن العديد من الإشكاليات فى استحالة تلاقى أكبر نظريتين فى علوم الفيزياء: ميكانيك الكم والنسبية العامة. ويعالج ميكانيك الكم الجسيمات الأولية فى مادة الكون، وتعالج النسبية العامة التركيب الأكبر للكون على امتداد الزمان والمكان. ومن أهم الإشكاليات فى علوم الفيزياء هو ما جرى فى الثوانى الأولى لتشكل الكون، حيث تسقط كل قوانين الفيزياء ونظرياته المعروفة. وقد عجز علماء الفيزياء فى جمع هاتين النظريتين لتفسير الظواهر التى رافقت البدايات الأولى لتشكل الكون.
لكن العجز فى جمع هاتين النظريتين لتفسير بعض ظواهر بداية الكون دفع بعض العلماء لطرح احتمال وجود قوة خامسة فى الطبيعة قد تنتج من جمع معادلات هاتين النظريتين، وهو ما قد يتطلب تغييرا جذريا فى كلتى النظريتين، وربما ظهور نظرية جديدة سميت سلفا بـ «نظرية الجاذبية الكمومية» Theory of Quantum gravity.
ثانيا: إشكاليات نظريات بداية الكون وتشكله
على الرغم من الجهود الكبيرة والمستمرة لحل الألغاز المتعلقة ببداية الكون، ما زالت النظريات فى مرحلة طرح فرضيات متعددة لمواجهة الإشكالات والتناقضات التى تظهر مع المزيد من الأرصاد المتقدمة والأدق لأبعاد الكون وبداياته الأولى. وتطرح هذه النظريات مفاهيم ما زالت غامضة ومبهمة - حتى على المختصين فى هذا المضمار - مثل المادة القاتمة وطاقة الفراغ أو الطاقة القاتمة.
أصل هيكلية الكون
كيف تحول الكون من حقل إشعاعات متجانس، فى أرجائه كافة بعد الانفجار العظيم، إلى هذه الهيكلية الكبرى التى نراها اليوم؟ ليس لدى علميى فيزياء الفلك إلى اليوم أجوبة رصدية ونظرية كاملة فى هذا المجال. وباستخدام المراصد الأحدث يحاولون العودة بالكون إلى بداياته الأولى من خلال رصد الأجرام الأبعد فى الكون، بما فى ذلك رصد إشعاعات الراديو الكونية الخلفية CMB، وبها يحاولون تفسير بداية الكون وتشكله.
ويبدو أن بداية الكون تضمنت تكورات Clumpiness (كتلا صغيرة أحيانا تسمى بذور) بتأثيرات كمومية Quantum Effect. ومع مرور الزمن أسهمت الجاذبية بتضخيم هذه التكورات. وفى البداية تكونت هيكلياتٌ صغيرة ما دون المجرات (المجرات القزمة)، فى حين أن الهيكليات الكبرى أخذت وقتا أطول. وهذا المفهوم النظرى يسمى «التعنقد التراتبى Hierarchical Clustering»، أى أن هيكلية الكون تشكلت بتراتبية من أسفل إلى أعلى.
إن هذه التكورات، أو البذور، التى نشأت من التموجات الكمومية، هى التى جعلت الكون فى بداياته غير متجانس تماما، بحيث كانت تمثل تغيرات صغيرة جدا فى كثافة انتشار المادة فى الكون. وقد أثرت الجاذبية مع الزمن فى تضخيم هذه التغيرات. فالتغير فى الجاذبية فى بعض مواقع الكون بنسبة أقل من 1% أدى إلى تشكل المجرات، وهذا كان غير ممكن لولا تلك التكورات الصغيرة. ما يعنى أن الهيكلية الكبرى للكون نشأت بالتأثيرات الكمومية على مستوى الجسيمات الأولية التى شكلت، ربما، الهيكلية الأولى فى الكون، على مستوى الكوركات والنوى والإلكترونات.
الطاقة القاتمة
قبل طرح فرضية الطاقة القاتمة التنافرية، كان علميو فيزياء الفلك يرون أن سرعة تمدد الكون ترتبط بكتلة المادة المتوافرة فى الكون بنوعيها، وأن قوة الجاذبية يجب أن تؤدى إلى تباطؤ سرعة تمدد الكون. وقد سميت كثافة كتلة المادة الكافية لوقف تمدد الكون بكثافة الكتلة الحرجة Critical Mass Density، وهى ترتبط بثوابت كونية أخرى، مثل ثابتة هابل Ho وثابتة الجاذبية g، وكذلك بكمية كتلة المادة القاتمة.
لكن الأرصاد الحديثة أظهرت أن تمدد الكون هو فى تسارع وليس فى تباطؤ، كما كان متوقعا، ما جعل علميى الكونيات يفترضون وجود قوة تنافرية فى الكون معاكسة لقوى الجاذبية، وهذا ما أعاد إلى الأذهان فكرة آينشتاين عن وجود قوة معاكسة للجاذبية، ربطها بثابتة كونية (لامبدا λ).
وقد طرح فيزيائيو الفلك، فى مطلع هذا القرن، فرضية وجود طاقة فى الفراغ سميت الطاقة القاتمة - وهو ما تحدث عنه أكثر ستيفن هوكنز - بتأثير ديناميك الكم. وفرضية طاقة الفراغ تفترض أيضا أن كثافة هذه الطاقة تكون متجانسة فى كل أرجاء الكون، بمعنى أن كمية هذه الطاقة تزداد مع تمدد الكون واتساع فضاء الفراغ فيه. وبهذا أصبح الكون تحت تأثير تناقض قوى شد الجاذبية وقوى تنافر الطاقة القاتمة.
وما زالت الطاقة القاتمة مجهولة بشكل كامل، وما زالت قيد التحليل والبحث على كل المستويات النظرية والرصدية العملية. وعلى الرغم من تشابه الاسمين، إلا أن الطاقة القاتمة لا ترتبط بأى شكل بالمادة القاتمة.
نظريات الكون فى الثانية الأولى من تكونه
ما زال ما جرى فى الثانية الأولى لتشكل الكون فى إطار التخمينات والخيال العلمى، على الرغم مما طوره علميو فيزياء الفلك من معادلات ونظريات شديدة التعقيد. وما زال ما جرى فى ذلك الوقت القصير أحجية خارج قدرات الإنسان التحليلية، إلى اليوم.
وتدخل القوانين التى تتحكم بالمادة على مستوى الذرة والنواة والإشعاعات فى إطار الإلكتروديناميك الكمى (QED) Quantum Etro Dynamics وترتبط بازدواجية طبيعة المادة بين الجسيمات والتموجات، وتستخدم الاحتمالات الإحصائية إلى درجة كبيرة.
بعض إشكالات قياس ثابتة هابل Hubble Constant Ho
تستخدم ثابتة هابل فى قياس سرعة تمدد الكون، ولهذا فهى مهمة فى تحديد «عمر الكون» وتاريخ تطوره وحجمه. وقد ابتكر فيزيائيو الفلك آليات متعددة لقياس هذه الثابتة. وقد تفاجأ خبراء فيزياء الفلك وعلم الكونيات باختلاف قيمة هذه الثابتة باختلاف آلية قياسها، على الرغم من المزيد من الدقة فى الأرصاد والقياسات الناتجة عن التقدم الملحوظ فى تكنولوجيات الفلك. وهذا ما جعل هؤلاء الخبراء فى حيرة تجاه حقيقة هذه الثابتة، كما جعلهم يفكرون بأن هناك حاجة «لنظرية جديدة فى فيزياء الكون»، وإلى فرضيات جديدة مختلفة عن تلك المعتمدة إلى تاريخه، قد تسهم فى حل التناقض فى قياسات ثابتة هابل. ومن التفسيرات المطروحة، أن الكون، خلال الثانية الأولى، قد تمدد بأسرع مما نقدر اليوم، ما أدى إلى انخفاض درجة حرارة البلاسما الكونية الأولية، وبالتالى إلى تجمد «أفق الصوت»، ما يتطلب إعادة النظر فى نظرية الانتفاخ الفائق الذى تم خلال الثانية الأولى من عمر الكون! وما قد يؤدى إلى طرح فرضية وجود مكون قاتم آخر إلى جانب الطاقة القاتمة والمادة القاتمة.
إشكالات أخرى فى نظريات بداية الكون
ما زالت النظريات التى تفسر بداية الكون تواجه إشكالات عديدة لم تستطع العلوم الحالية تفسيرها. من ذلك:
- إشكالية الأفق والإشعاعات الخلفية الميكروية. فالاتساق الظاهرى لهذه الإشعاعات يشير إلى أنه كلما ابتعدنا فى الفضاءات الخارجية كان الكون فى الماضى البعيد متسقا فى درجة الحرارة فى كل الاتجاهات. ولكن هذه الفضاءات كانت بعيدة جدا عن بعضها البعض، ما يجعل من المستحيل أن تحافظ على هذا التناسق فى درجة الحرارة.
- إشكالية تسطح الكون. تبعا لنظرية النسبة العامة لآينشتاين فإن شكل الكون يتقرر من كتلته وطاقته التى تنعكس بالتكور المسمى أوميغا 1= Ω. و Ω تعنى أن الكون مسطحٌ متماش مع الكثافة الواحدة عند بداية الكون. لكن مع تمدد الكون يجب أن ينقص هذا التكور باتجاه الصفر، ما يعنى أن تمدد الكون مستمر إلى الأبد.
ماذا كان قبل الانفجار العظيم وما الذى أدى إلى هذا الانفجار؟
هل الانفجار العظيم حلقة فى سلسلة دوارة، وهل سنرى فى المستقبل البعيد عودة التقلص فى الكون؟
ما هو حجم الكون اليوم؟
البحث ما زال قائما حول البدايات الأولى للكون.
إن كل التطورات العلمية فى بحوث بداية الكون كانت تسعى لحل إشكالات بداية الكون من خلال تعقيدات متزايدة فى المعادلات الرياضية المتعلقة بذلك. لكن كل هذه الافتراضات لم تسهم فى حل سائر الإشكالات والألغاز فى بداية الكون، وما زالت الأبحاث مستمرة فى هذا المجال. وهذا ما دفع البعض للبحث عن نظريات وأطر لعلوم الفيزياء قد تختلف عما نعرفه اليوم.
حسن الشريف
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى: