نشرت جريدة الرياض السعودية مقالًا للكاتب عبدالله مغرم، يوضح فيه أن القيادة لم تعد مجرد سلطة أو منصب يُمنح، بل أصبحت فنًّا متكاملًا من التفكير، والتأثير، والإلهام فى ظل عالم سريع الإيقاع ملئ بالتحديات. القائد اليوم ليس من يفرض حضوره بالقوة، بل من يخلق بيئة يحس فيها كل فرد بقيمته، ويحوّل الأفكار إلى طاقة، والتحديات إلى فرص. فى هذا السياق، يصبح السؤال الأهم لكل قائد: هل أنا أدير أم أُلهم؟ فالإجابة عن هذا السؤال تحدد موقعك الحقيقى فى خارطة القيادة الحديثة.. نعرض من المقال ما يلى:
فى زمن تتسارع فيه التحوّلات بشكل غير مسبوق، لم تعد القيادة منصبًا أو صفة تُمنح، بل أصبحت قدرة ذهنية وسلوكية تنعكس فى كل قرار، وكل تفاعل، وكل لحظة تأثير. لقد تغيّر العالم، وتغير معه مفهوم القيادة، فلم تعد قوة القائد فى سلطته الإدارية، بل فى اتساع رؤيته، وذكائه العاطفى، ومرونته الاستراتيجية، وقدرته على أن يلهم قبل أن يوجّه.
أكبر فرق اليوم بين قائد يتقدم وقائد يتراجع هو أن الأول يدرك أن فريقه ليس مجموعة موظفين، بل منظومة طاقة تحتاج إلى الإلهام بقدر احتياجها للتوجيه، وإلى التحفيز بقدر حاجتها إلى التخطيط، القائد الحديث لا يراقب ساعات حضور، بل يراقب جودة الأفكار، لا يقيس الإنتاجية بعدد الاجتماعات، بل بعمق النقاشات وجرأة المبادرات.
وفى عالم تفرض فيه التقنية والذكاء الاصطناعى قواعد جديدة للعبة، أصبح أبرز ما يميز القائد هو قدرته على إعادة تعريف نفسه دائمًا، القائد الملهم لا يخشى أن يقول لا أعرف، لأنه يعرف كيف يتعلم أسرع، ولا يخشى أن يمنح المساحة لغيره، لأنه يدرك أن القيادة ليست منافسة، بل منظومة تكامل، لقد انتهى زمن القائد الذى يحتكر المعرفة، وبدأ زمن القائد الذى يسأل الأسئلة التى لا يجرؤ غيره على طرحها.
القيادة اليوم مسئولية تجاه الإنسان قبل المؤسسة، فالموظفون لا يغادرون الشركات؛ يغادرون القادة الذين تجاهلوا طاقتهم، أو قللوا من قيمتهم، أو لم يمنحوهم مسارا يليق بطموحهم، القائد الحقيقى هو من يخلق بيئة تجعل كل فرد يشعر بأنه مرئى، مسموع، ومهم. وهذه ليست مهارة ناعمة، بل استراتيجية صلبة تحافظ على المواهب وتضاعف الإنتاجية.
ومع كل هذا، يبقى أهم تحول قيادى أننا أصبحنا نحتاج إلى نوع جديد من الشجاعة: الشجاعة الذكية. شجاعة تقرأ المستقبل دون تهور، وتخوض التغيير دون خوف، وتقود الفريق دون فقدان إنسانيته، فالقائد الذكى لا يُعرف بقراراته الكبيرة فقط، بل بقدرته على اتخاذ قرارات صغيرة تُحدث تأثيرات كبيرة، وعلى بناء ثقافة لا تتزعزع مهما تبدلت الظروف.
وعندما نقول إن القيادة أصبحت فنًا، فذلك لأنها تجمع بين الفكر الاستراتيجى، والوعى الإنسانى، والمرونة الذهنية. فالقائد العظيم اليوم لا يكتفى بأن يقود فريقًا، بل يطلق عدوى الإلهام داخل المؤسسة، يرفع سقف الطموح، ويوسع زاوية الرؤية، ويحوّل التحديات إلى منصات انطلاق.
وفى النهاية، هناك سؤال واحد يجب أن يسأله كل قائد لنفسه فى هذا الزمن المتغير: هل أنا أدير أم أُلهِم؟ هذا السؤال وحده قادر على كشف موقعك الحقيقى فى خارطة القيادة الجديدة، لأن القيادة لم تعد رحلة صعود، بل رحلة تأثير.. ومن يفهم هذا، لن يكون مجرد قائد، بل صانع فرق.