محاولات فهم أسباب ارتفاع أسعار الحديد وتأثيراته - وائل زكى - بوابة الشروق
الجمعة 19 أبريل 2024 1:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

محاولات فهم أسباب ارتفاع أسعار الحديد وتأثيراته

نشر فى : الخميس 24 مارس 2022 - 8:30 م | آخر تحديث : الخميس 24 مارس 2022 - 8:30 م

احتدم نقاش منذ عام تقريبا حول أزمة مصانع الإنتاج المتكامل من الحديد التى تنتج مكورات الحديد والحديد الإسفنجى والبليت وتقوم بالدرفلة لإنتاج ألواح أو حديد تسليح، فى مواجهة منافسة من مصانع الدرفلة التى تشترى البليت مباشرة وتقوم بإنتاج ألواح وحديد التسليح؛ حيث إن الرسوم المفروضة على واردات البليت لحماية الإنتاج المحلى منخفضة عن الرسوم على واردات منتجات الحديد مما يجعل المنافسة لصالح مصانع الدرفلة على حساب مصانع إنتاج الحديد المتكامل، فى حين أعلن أصحاب مصانع الدرفلة فى أحد المؤتمرات الصحفية أن خسارتهم تصل إلى 1200 جنيه فى كل طن بسبب زيادة الأسعار العالمية للبليت وبعضهم يسعى للحصول على ترخيص إنتاج متكامل، ثم يتم وقف التدابير الوقائية بإلغاء الرسوم أى تسهيل الاستيراد وأيضا فتح باب تراخيص إنشاء مصانع جديدة والتوسع فى القائم، ويتبين ضمن التصريحات أن الطاقة الإنتاجية من حديد التسليح فى مصر عام 2021 بلغت 15.5 مليون طن فى حين أن الإنتاج الفعلى 7.5 مليون طن فقط!، وبلغ حجم التصدير المصرى لحديد التسليح 1.3 مليار دولار خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر 2021، فى حين أن الإنتاج الفعلى لا يغطى الطلب المحلى!.

تثور تساؤلات وتجول إجابات تتضاد وتتعارض فى نتائجها للوصول إلى فهم واضح لحالة السوق، يُقال إن العجز فى إنتاج المواد الخام للحديد يقدر بحوالى 3 ملايين طن، وقد ارتفع حجم الاستهلاك المحلى من حديد التسليح عام 2021 ليصل إلى حوالى 7.34 مليون طن بزيادة قدرها 7% عن عام 2020، أما الاستهلاك من الصلب المسطح بلغ حوالى 1.4 مليون طن عام 2021، بمجموع استهلاك محلى قدره 8.75 مليون طن قابلة للزيادة لسد متطلبات المشروعات القومية مثل حياة كريمة وتطوير قرى مصر وغيرها، كما يظل التصدير عند مستوى يتجاوز 20% من الإنتاج المحلى، بما يعنى عجزا فى الإنتاج الفعلى قد يتجاوز 3 ملايين طن، إذا لماذا نصدر فى حين نحتاج محليا؟، التصدير يرتبط باتفاقيات دولية كما أنه يُدخل عملة صعبة ويحافظ على الميزان التجارى وبالتالى يحافظ على قيمة الجنيه مقابل العملات الصعبة، لذلك فإن حصص الإنتاج الموجه للتصدير تتعدى فوائدها مجرد سد العجز على الطلب المحلى، إذا لماذا لا تنتج المصانع بكامل طاقتها التى تصل فى مجملها إلى 15.5 مليون طن سنويا؟، سؤال وجيه.

• • •

صرح أحد مصنعى الحديد فى موقع صحفى أن «سوق البليت فى وضع مركّب، لأن حجم الطاقات الإنتاجية لمصانع الحديد فى مصر تكفى الاحتياجات المحلية لكنها لا تعمل بطاقتها القصوى ويتم استيراد جزء من الاحتياجات»، كذلك يصرح مسئولو غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات وغيرهم بأن «الطاقة الإنتاجية للبليت فى مصر تتراوح بين 8.5 إلى 10 ملايين طن خلال العام الماضى لكنها لا تعمل بالطاقة القصوى للإنتاج»، ولكن لا أحد يفسر السر وراء عدم الإنتاج بالطاقة القصوى، ولنكن حسنى النية ولا نظن أن هناك سقفا متفقا عليه للاحتفاظ بمستوى الأسعار فى السوق والاحتفاظ بهامش ربح مناسب من وجهة نظر أصحاب المصانع، ومع وجود خبراء حكوميين فى هذا المجال وفى دوائر تنظيم تلك الصناعة والرقابة عليها، إلا أن أحدا لم يفسر أن يكون السوق المحلى محتاج والطاقة الإنتاجية للمصانع تبلغ على الأقل مرة ونصف هذا الاحتياج ولا تنتج إلا بالقدر الذى يجعل هناك دائما عجزا فى المعروض، ثم يأتى قرار حكومى أواخر عام 2021 ليس له علاقة بالأوضاع العسكرية فى العالم ويلغى رسوم تدابير حماية المنتج المحلى أمام المستورد وتفتح مصر باب الاستيراد الحر للبليت وحديد التسليح، ربما يتحرر سقف الإنتاج المحلى وتنخفض الأسعار، فتأتى الحرب الروسية الأوكرانية لتفتح مجالا تعويضيا لأصحاب المصانع عن الخطوة الحكومية التى كانت لتوجد توازنا بين الإنتاج والاستهلاك وبالتالى أسعار متوازنة.

يقول أحد أعضاء جمعية رجال الأعمال المصريين «طبقا للإحصائيات المتاحة فإن مصر استوردت فى عام 2021 من أوكرانيا بقيمة 96.8 مليون دولار حديد»، لنفترض أننا استوردنا من أوكرانيا بقيمة مائة مليون دولار، فى حين أننا نستورد بحوالى 3 مليارات دولار بليت من الخارج، أى أن العجز من الاستيراد الخارجى يبلغ حوالى 3% أى حوالى 1% من الإنتاج المحلى ويمكن تعويضه محليا من الفارق بين الإنتاج الفعلى والطاقة الإنتاجية، هل حدث عجز من روسيا أيضا، يعنى أصبح العجز من المستورد 5 أو 10% حتى، أى لا يتعدى 5% من الإنتاج المحلى ويمكن أيضا تعويضه محليا بزيادة الإنتاج عن السقف الحالى طالما تسمح الطاقة الإنتاجية فى ظل ظروف حرب أثرت على المستورد، ومن جهة أخرى لماذا التباكى على فتح باب الاستيراد وعدم حماية المنتج المحلى فى حين أن المنتج المحلى يضن على شعب مصر بإنتاجه، ولنكن منصفين فإن العديد من مصنعى الحديد يدخلنا هنا فى بعض الأمور الفنية الخاصة بضرورة التوازن بين حجم الطاقة الكهربائية وحجم الغاز الطبيعى الذى يعد أحد عوامل الإنتاج وليس لإنتاج الطاقة فقط وحجم الخام والذى يتأثر كل منهم بالآخر ويؤتى إنتاجا غير مطابق للمواصفات، وبالتالى فإن حصص المصانع والقدرات التشغيلية لهذه العوامل مجتمعة تتحكم فى المنتج وحجمه، ناهيك عن أسعارها التى تضعها الدولة.

• • •

إذا لنترك هذا المجال مفتوحا بين الحفاظ على سقف إنتاج كتوجه تسويقى يحفظ هامش ربح يفرضه أصحاب المصانع، وبين الرسوم التى تفرضها الدولة بدءا من رسوم الحصول على ترخيص إنشاء مصنع حديد التى تتراوح بين عشرات إلى مئات الملايين، وأسعار الكهرباء والغاز والضرائب وخلافه، ونأتى إلى السوق العقارية، إذا كان حديد التسليح كمكون فى المنشأ الهيكلى الخرسانى قد يصل إلى نحو 15% من قيمة التكلفة، فإذا كانت الزيادة فى سعر الحديد بنسبة 10% تعنى زيادة لا تتجاوز 1.5% من تكلفة البناء، ولو وصلت الزيادة فى سعر الحديد إلى 30% هذا يعنى زيادة 4.5% فى تكلفة البناء على الأكثر، ومن السائد فى قطاع المقاولات أن سعر الخامة تؤثر فى تكلفة العمالة والخدمات، وهو أمر طبيعى فى معظم البنود ولكنها لا تشكل فى مجموعها نفس نسبة الزيادة فى المكون الحديدى بالمنشأ، لذلك قد تصل الزيادة فى تكلفة إنتاج البناء الخرسانى شاملا ارتفاعات أسعار الحديد وغيره 10% على أقصى تقدير، ولكن ما يزيد تلك النسبة هى النسب المترتبة على أسعار التكلفة مثل نسبة الإدارة والضرائب والأرباح التى تجعل الزيادة تتضاعف، فهل يسعى المطورون العقاريون إلى إحداث توازن فيحتفظون بقيمة تكلفة الإدارة وقيمة الأرباح ثابتة، أمر قد يصعب على البعض فى آخر تسلسل الإنتاج العقارى بعدما رفع كل السابقين أسعارهم. 

الحقيقة أن الأمر يحتاج لتدخل يضبط أسعار عوامل الإنتاج العقارى بدءا من إنتاج الحديد وكذلك المدخلات المحلية كالأسمنت مثلا والتى يمكن أن تتزن أسعارها فى حدود تحكم الزيادة فى تكلفة الإنتاج العقارى بما لن تتعدى فى مجمل مراحلها 10% شاملة، إن ضبط حجم الإنتاج الفعلى مقابل الطاقة الإنتاجية المصرح بها يجب التدخل فيه من قبل الهيئة العامة للتنمية الصناعية المصدرة للتراخيص، فإن ذلك يؤثر على الخطط القومية التى تطرح فى إطارها الهيئة تراخيص جديدة بطاقات إنتاجية مضافة مفترض لا تسمح بإطلاقها هباءً منثورا لتكن مسميات فقط والإنتاج الفعلى لا يتعدى ثلثيها، كذلك فإن شركات المقاولات والمطورين العقاريين يمكنهم التغلب على نسبة كبيرة من ارتفاع الأسعار بتطبيق نظم إدارة الإنتاج الأكثر نجاحا فى ضبط تكاليف إنتاج المنشآت بما فيها تطبيق الهندسة القيمية وتطوير أداء المكاتب الفنية وإدارات المواقع فكلها عوامل تخفض من التكلفة التشغيلية ليستطيعوا خفض تأثير ارتفاع أسعار المدخلات فى ظل التزاماتهم التعاقدية الجارية.

وائل زكى استشاري التخطيط العمراني وعضو مقيم عقاري بلجان طعون الضرائب العقارية، ويعمل كأستاذ للتخطيط العمراني وتاريخ ونظريات تخطيط المدن ومدرب معتمد إدارة المشروعات
التعليقات