الشعب يريد وسيلة تنقُّل كريمة - يحيى شوكت - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 8:22 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الشعب يريد وسيلة تنقُّل كريمة

نشر فى : الإثنين 27 فبراير 2012 - 8:55 ص | آخر تحديث : الإثنين 27 فبراير 2012 - 8:55 ص

جاء على صفحات ملحق الأهرام منذ فترة مقال بعنوان «الشعب يريد سيارة شعبية»، يرسم ملامح لحل قضية التنقل فى مصر من خلال صناعة سيارة مصرية منخفضة الثمن، كما أن هناك مجموعات داخل دوائر التصنيع تروج لأفكار مماثلة.

 

●●●

 

فهل السيارة الشعبية هى الحل الأمثل لقضية التنقل فى مصر؟

 

لنتناول التنقل فى أكبر وأكثر مدن مصر تطورا.. القاهرة. تشير دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) إلى أن 10% فقط من سكان القاهرة الكبرى يستخدمون السيارة الخاصة فى مشاويرهم اليومية، فى حين أن يستخدم حوالى 60% من سكان القاهرة وسائل التنقل الجماعية، أى الأتوبيسات والمترو، ولكن الميكروباص يحظى بنصيب الأسد من بين وسائل النقل الجماعية، ويتبقى ثلث سكان القاهرة دون سيارة خاصة أو وسيلة مواصلات، فهم يستخدمون وسائل تنقل غير مميكنة، أى المشى والدراجات وعربات الكارو.. نعم، الكارو.

 

أوضحت الدراسة نفسها أن نسبة استخدام السيارة تقل فى مدن الريف، بينما تزيد نسبة التنقل غير المميكن إلى النصف تقريبا. فإذا كانت مدننا كلها تعانى من أزمة فى المرور، فكيف نعتبر السيارة حل؟

 

الحقيقة الأولى هى أن معظم زحمة الطرق (نحو 75 %) ناتجة من السيارات الخاصة، بينما 10% فقط من المواطنين يستخدمونها. هذا لأن فى أفضل الأحوال السيارة تقل 4 أو 5 أفراد، لكن فى الوقت نفسه ينقل الميكروباص، الذى هو أكبر من السيارة بشىء بسيط، حوالى 12 راكبا، أى كل ميكروباص يمثل 3 سيارات كاملة الحمولة.

 

الحقيقة الثانية أن أكثر نظم التنقل الجماعى استخداما هى الميكروباص الذى تم تمويله ذاتيا بالمجهودات الذاتية وليس المترو الذى أنفقت عليه الدولة المليارات، ولا أتوبيسات النقل العام التى أنفقت عليه عشرات الملايين.

 

الحقيقة الثالثة هى أن رغم أننا فى القرن الواحد والعشرين، وأن القاهرة تعتبر أكثر المدن تحضرا فى مصر، بل فى شمال أفريقيا، فلاتزال وسائل التنقل الأولية والبسيطة كالمشى والدراجات والكارو تمثل وسيلة التنقل الأساسية لثلث سكان الإقليم.

 

●●●

 

هناك من سيقوم بقراءة هذه الحقائق كدليل لأهمية التوسع فى مبيعات السيارات، والوصول للفئات الأدنى دخلا لكى يتركوا وسائل التنقل البدائية غير المميكنة ووسائل التنقل الجماعية المزدحمة و«يصعدوا» إلى وسيلة التنقل الأكثر كرامة وإنسانية، فى رأيهم، وهى السيارة الخاصة. لهؤلاء أقول إن السيارة الخاصة وسيلة تنقل غير عادلة وغير مستدامة فى مصر اليوم، فما بالك على المدى الطويل؟

 

فمثلا تحظى السيارة الخاصة بدعم من الدولة للبنزين للاستخدام الخاص يعادل 13.7 مليار جنيه فى العام الحالى 2011/2012. إذا قمنا بخصم نحو 2.8 مليار جنيه، وهو مؤشر لمتوسط رسوم التراخيص كل عام، و4.4 مليار جنيه رسوم الجمارك المحصلة فى العام الماضى، سيتضح أن صافى الدعم نحو 6.5 مليار جنيه. بالمقارنة يصل لثلثى السكان الذين يستخدمون الوسائل الجماعية نحو 9 مليارات جنيه دعم للمحروقات المستخدمة فى النقل الجماعى (السولار)، أى أن نسبة دعم السيارة الخاصة إلى نسبة دعم المواصلات العامة حوالى أربعة أضعاف (وهذا دون تعقيد الأمر بحساب إيرادات التذاكر وإلخ...). أما الـ30% الذين يستخدمون وسائل غير مميكنة فيصلهم صفر من الأموال العامة من الاستثمارات أو الدعم، بما معناه أن ثلث عملية المواصلات الحالية لا تمثل أى عبء على الدولة.

 

فإذا تم إلغاء الدعم فى المستقبل القريب عن البنزين، ووصل اللتر منه 5 أو 6 أو 7 جنيهات مقارنة بـ90 قرشا لأرخص بنزين عندنا وهو الـ80، الذى ما زالت تقوم عليه الحروب الأهلية والاحتجاجات لغيابه والتلاعب به بالسوق السوداء؟ إذا باتت الطرق المرورية بمدن مصر جميعها مكتظة ليصل متوسط سرعة السير 20 كم/الساعة، ومتوسط مدة المشوار ساعة ونصف، فأين سنقوم برصف طرق جديدة؟ إذا وصلت معدلات التلوث داخل المدن إلى نسب غير محتملة، فماذا سيحدث إذا استمرت زيادة عدد السيارات الموجودة بشوارعنا؟

 

السيارة الخاصة ببساطة ليست الحل.

 

●●●

 

إذن فما هو الحل الذى لا يحتاج لنسبة دعم مرتفعة لوقوده ولا يسبب تكدسا مروريا ويكون فى متناول الغالبية العظمى من المواطنين؟

 

فماذا إذا تم إعادة توزيع هذا الدعم على شكل استثمارات فى نظم التنقل الجماعى التى يستخدمها أكثر من ثلثى المواطنين؟ وماذا إذا قمنا بتشجيع الوسائل غير المميكنة التى لا تمثل أى عبء على المحروقات، واعترفت الدولة بوجودها وسعة استخدامها؟

 

فمثلا، مشاريع النقل الجماعى السريع للضواحى والمدن الجديدة بإمكانها رفع كفاءة المدن الجديدة التى استثمر فيها المليارات عن طريق توفير وسيلة نقل اقتصادية وآمنة بدلا من الأموال المهدرة على دعم السيارة الخاصة وانخفاض معدل استخدام المدن الجديدة. فإذا كلف كل مشروع لربط القاهرة بمدينة تابعة لها مثل السادس من أكتوبر، بترام أو أتوبيس سريع له حارته الخاصة فى حدود المليار جنيه (والدراسات موجودة)، سيكون مردوده من توفير فى فاتورة دعم السيارات الخاصة يفوق قيمة المشروع بأضعاف.

 

أما على المستوى المحلى، فالمدن بوجه عام تحتاج إلى استثمارات أعلى بكثير من مستواها الحالى فى النقل الجماعى، حيث لا تتناسب أعداد المركبات وخطوط السير مع أعداد المستخدمين. فإذا نظرنا إلى التجربة الذاتية من الميكروباص والتوك توك كتجارب ناجحة لحل أزمة التنقل المحلى، فلما لا تستثمر الدولة فى مشاريع تنقل محلية تجمع بين القطاعى العام والخاص وتقلد حسنات الميكروباصات؟ هناك أيضا استثمارات ثانوية لابد منها مثل توفير مسارات سير للمشاة، نظرا لاختفاء الأرصفة تحت بضاعة المحال وكراسى القهاوى، وتوفير أماكن عبور أكثر بكثير من الموجود لتشجيع قطاع أكبر على استخدام وسائل التنقل الجماعى. لابد أيضا أن تكون الوسائل آمنة للسيدات، وتكون سهلة لكبار السن والمعاقين. من الآخر لا بد أن تكون وسائل التنقل كريمة.

 

داخل إطار هذا المستوى المحلى، لابد من تشجيع وسائل التنقل غير المميكنة لتستمر فى تحمل جزء من العبء، ولأنها لاتزال تكلف مستخدميها أقل التكاليف. فلا بد من الاستثمار فى زيادة تأمين الطرق لهم وعمل أماكن مؤمنة لانتظار الدراجات بمحطاط التنقل الجماعى وبأماكن العمل والتنزه. أما الكارو، فلابد من اعتراف الدولة بمدى حجم اقتصاد هذه الشريحة من مستخدميه وما يمثله من مصدر للدخل. فيجب إعادة استيعابه فى شوارع المدن وتخصيص خطوط سير له بالمناطق التى يعمل بها، كما أنه يمكن التوسع فى استخدامه فى المحميات الطبيعية والقرى السياحية والمناطق الحساسة لتلوث الهواء.

 

بالنسبة لتوفير فرص للعمل والتوسع فى قطاع الصناعة، فوسائل التنقل الجماعى والتنقل غير المميكن تمنح فرصا من السهل أن تعادل أو تزيد عن فرص السيارات الخاصة. أما بالنسبة للدراجات، فهل يعقل أننا توقفنا عن إنتاجها؟ فكيف نحن متفائلون بصناعة السيارة إذا لا نقوم بصناعة أبسط وسائل التنقل؟

 

الدراسات والإحصاءات كلها موجودة وتشير إلى أن عملية تطوير منظومة التنقل تحتاج إلى مجرد إعادة ترتيب للأموال الموجودة طبقا لأولويات يحددها الواقع الاجتماعى دون اللجوء لاستثمارات أو قروض إضافية، بل ستوفر الكثير على دافعى الضرائب. كل ما هو مطلوب هو شخص شجاع وله مصداقية عند المواطنين يضغط على زر التنفيذ.

يحيى شوكت باحث عمراني ومحرر موقع مرصد العمران
التعليقات