اقتراحات لإنقاذ قانون التصالح فى بعض مخالفات البناء - يحيى شوكت - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 4:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

اقتراحات لإنقاذ قانون التصالح فى بعض مخالفات البناء

نشر فى : الإثنين 17 فبراير 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 17 فبراير 2020 - 9:20 م

نشرت الجريدة الرسمية تعديلات قانون التصالح منذ أسابيع، والتى أتت كرد فعل لفشل القانون فى إحداث «الأثر المتوقع منه»، نظرًا إلى تدنى عدد المتقدمين للتصالح «باعتباره المعيار الأساسى والحقيقى لمدى قابلية القانون للتطبيق». وهذا حسب التقرير المشترك للجنة الإسكان والتعمير، ولجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب حول التعديلات التى تم نقاشها، ومن ثم، تمريرها، بالمجلس. تمحورت هذه التعديلات حول تبسيط بعض الإجراءات وإيضاح بعض مواد القانون المبهمة، وزيادة مدة سيريانه، وهى جميعها تعديلات فنية، بالإضافة إلى بعض التعديلات التى من شأنها خفض مبالغ التصالح.
فى شأن الأخيرة، تم إسقاط الفائدة من على أقساط الغرامة، مما سيقلل من قيمة الغرامة لمن سيطلب بتقسيطها على ثلاث سنوات، ولكن بشكل بسيط. كما تم النص على خصم ما سبق سداده من غرامات فى أحكام قضائية سابقة خاصة بالمخالفة إن وجدت، وهذا قد يشجع البعض على التقدم على التصالح لعدم المطالبة بتسديد غرامة مرتين على المخالفة نفسها. الجدير بالذكر، أن هذا التعديل جاء رغم رأى مجلس الدولة أن هذه الفقرة تشوبها عدم الدستورية لعدم المساواة بين من قام بقضاء عقوبة بالحبس ومن قام بتسديد غرامة مالية، فينص قانون البناء على الغرامة أو الحبس أو الاثنين معًا فى مخالفات البناء. أما التعديل الثالث بخصوص قيم التصالح فيخص استثناء المبانى فى القرى من شرط طلاء الواجهات لإتمام التصالح، مما يقلل من الأعباء المالية على أصحاب المنازل المخالفة بالريف. جاء التعديل الأخير بإضافة التظلم من قيم التظلم نفسها عند صدور الموافقة على طلب التصالح وإعادة النظر فيها. فهذه خطوة بيروقراطية إضافية، ومن المتوقع أن يسلكها جميع طالبى التصالح فى ظل قيم التصالح المرتفعة، مما يفرغها من مضمونها الأساسى وهو طبيعتها الاستثنائية.
يتضح من هذه التعديلات أنها لا تمس المشاكل الأساسية وراء «تدنى عدد المتقدمين» والتى تناولها مقالى السابق بجريدة الشروق بتاريخ 15 يناير 2020. وهى بإيجاز: عدم التفرقة بين من قاموا بالبناء المخالف نفسه ومن قاموا بشراء وحدة مبينة بالمخالفة، وارتفاع مبالغ غرامات التصالح بشكل مجحف فى أغلب المدن، والتصالح على كامل العقار وليس كل وحدة على حدة. فتظل الفرصة لإنقاذ هذا القانون متوفرة من خلال التعديلات التى تناقش حاليًا للائحته التنفيذية. فيمكن له أن يلعب دورًا محوريًا فى
تعميم الحيازة الآمنة، وإنقاذ الآلاف من أخطار المبانى غير المطابقة للمواصفات، وتحقيق الحق الدستورى فى المسكن الملائم.

إعفاء وحدة سكنية لكل أسرة
لا بد أن يفرّق القانون بين فئتين مختلفتين من أصحاب الشأن: أصحاب العقارات الأصليين، أى من قاموا بعملية البناء نفسها وتقع عليهم المسئولية القانونية للبناء المخالف، ومُلاك الوحدات المباعة بالشراء، وهم فى الأغلب قاموا بإنفاق كل ما يملكون لتلبية احتياجهم لمسكن فى ظل سوق تكتوى فيه الطبقة الوسطى ومحدودو الدخل بنار أسعاره. هنا يمكن أن تميّز تعديلات اللائحة التنفيذية بين الوحدات التى تقوم بدور اجتماعى وتحقق الحق فى السكن لأصحابها، وبين الوحدات الاستثمارية عن طريق إعفاء وحدة واحدة لكل أسرة (الزوج والزوجة والأولاد القصر) بشرط عدم تملك أحدهم لوحدة سكنية أخرى، مع إعطاء حد أعلى للمساحة فى حدود 100 متر مربع، وهو متوسط مساحة الوحدات فى مصر، لتجنب التهرب عن طريق ضم أكثر من وحدة سكنية معًا.
من الجانب الفنى، يمكن تطبيق الإعفاء بسهولة من خلال ميكنة جميع طلبات التصالح، مع مقارنتها بقاعدة بيانات الضرائب العقارية، والتى تغطى معظم الثروة العقارية، سواء المسجلة أو غير المسجلة. كما يوجه الإعفاء لأغراض اجتماعية غرامة التصالح إلى المستثمرين والذين قد يكونون مُلاك أصليين أو قاموا بشراء عدد من الوحدات، وبطبيعة عملهم، لديهم من السيولة والحافز إمكانية تسديد غرامة التصالح. بالإضافة لن يستطيع الكثيرون التهرب من هذه الغرامة لأن أعداد الوحدات المبنية بالمخالفة للقانون تفوق أعداد الأسر ويظل الكثير منها خاليًا من السكان، لذا من الصعب على كبار الملاك تسجيلها بأسماء أشخاص آخرين، لأن قاعدتى بيانات طلبات التصالح والضرائب العقارية ستُظهر ذلك، وتحرمهم من الإعفاء.

التصالح على الوحدة وليس العقار
مع الإبقاء على فتح ملف واحد لكل عقار، واستلام تقرير واحد هندسى يتشارك فيه مُلاك الوحدات بكل عقار، يجب تعديل آلية التصالح لتسمح بتصالح أصحاب الوحدات، كلٍّ على حدة، بدلًا من التصالح على كامل العقار، وذلك حال استيفاء العقار الحدود الدنيا للأمان الإنشائى. هذه الخطوة ستساعد على زيادة الإقبال على التصالح، ما يزيد من دخل الدولة منه، بينما الإبقاء على تصالح العقار بأكمله لا يحمل أية ميزة وقد يعرقل العديد من طلبات التصالح.

خفض قيم التصالح والإعلان عنها قبل التطبيق
قيم التصالح العليا مجحفة، وهو ما اشتكى منه العديد من المواطنين وطالب بتخفيضها عدد من أعضاء مجلس النواب. فلا توجد 300 مليار جنيه سيولة عند المواطنين، وهو المبلغ الذى يعتقد أمين سر لجنة إسكان مجلس النواب أنه يمكن تحصيله. فحتى ربعه، وهو قيمة المقدم إذا تم تقسيط الغرامة لجميع الطلبات، يضاهى إجمالى قيمة الاستثمارات الخاصة فى قطاع الإسكان لسنة كاملة (حسب نشرة الإسكان للجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء). فالمواطنون العاديون وصغار المستثمرين لا يملكون هذه المبالغ.
لذا يجب تخفيض الغرامات بنحو الربع، مع إعطاء فترات سداد ما بين سبع إلى عشر سنوات على غرار غرامات تقنين أراضى وضع اليد وبيع الأراضى للمستثمرين، حتى تكون المبالغ واقعية ويمكن على أصحاب العقارات تسديدها. وبالطبع، يجب الإعلان عنها قبل تطبيق المدة الإضافية لتلقى طلبات التصالح.

توجيه الحصيلة لترميم العقارات أو إيجاد سكن بديل
ينص قانون التصالح على توجيه الأغلبية العظمى من حصيلة غرامات التصالح إلى مشاريع الإسكان الحكومية والمرافق والتنمية العمرانية، وهى كلها مطلوبة. ولكن أغفلت هذه المخصصات مئات الآلاف من الوحدات بالعقارات القديمة الآيلة إلى السقوط، والتى حصرها التعداد العام لسنة 2017 بنحو 3.2 مليون عقار على مستوى الجمهورية يحتاجون إلى مستويات مختلفة من الترميمات، بالإضافة إلى 100 ألف عقار غير قابل للترميم أو مطلوب هدمه. هذا بالإضافة إلى العقارات الجديدة التى ستُظهر التقارير الهندسية أنها غير آمنة، أو يمنع القانون التصالح عليها. فما مصير سكانها؟
حسب تقرير اللجنة المشتركة بمجلس النواب عن مشروع قانون التصالح، أحد أهداف القانون الرئيسية هو «الحفاظ على الثروة العقارية». لذا يجب أن تعمل حصيلة الغرامات على تحقيق هذا الهدف من خلال تخصيص نسبة لا بأس بها من الحصيلة لترميم المبانى غير الآمنة، ولتوفير مسكن بديل لسكان المبانى التى لا تقبل الترميم أو التى وجب إزالتها لعدم خضوعها لقانون التصالح.

القضاء على ظاهرة البناء المخالف
«ظل المجتمع المصرى بأسره يعانى لمدة سنوات من مشكلة المخالفات البنائية، والتى جاءت نتيجة للكثير من السلبيات والثغرات التى تضمنتها القوانين المنظمة لأعمال البناء نظرًا لتعقيدها وتداخلها وما تحتويه من ثغرات أفرغتها من مضمونها وخاصة بعد صدور قانون البناء رقم 119 لسنة 2008، الذى عجز عن حل تلك القضية «المخالفات البنائية» لما تضمنته مواده من جمود، فضلًا عن أنه أغفل مبدأ المصالحة فى المخالفات البنائية والتى استشرت فى ربوع وأنحاء الجمهورية وبصورة غير متوقعة، رغم صدور العديد من قرارات الإزالة التى لم يتم تنفيذ أغلبها». هذا ليس رأيى فحسب، وإنما هو رأى أعضاء لجنة الإسكان والتعمير، ولجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، كما جاء بتقريرهما بشأن تعديل قانون التصالح.
إذًا، الدور القادم على قانون البناء وتعديله حتى يقبل الناس تطبيقه، ليس خوفًا منه، وإنما احترامًا لما يقدم لهم من مسكن ملائم.

يحيى شوكت باحث عمراني ومحرر موقع مرصد العمران
التعليقات