معضلة قانون التصالح فى مخالفات البناء - يحيى شوكت - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2020 6:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

معضلة قانون التصالح فى مخالفات البناء

نشر فى : الثلاثاء 14 يناير 2020 - 10:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يناير 2020 - 3:54 م

 

في الأيام الماضية تم غلق باب التقدم بطلبات التصالح في بعض مخالفات البناء بعد أن امتد فتحه لمدة ستة أشهر منذ أن صدرت لائحته التنفيذية في شهر يوليو 2019. فكان من المفترض أن تغرق مكاتب الإدارات المحلية بملايين من الطلبات من قبل ملاك العقارات التي تم بنائها بالمخالفة لقانون البناء (حصرت وزارة الإسكان 2.9 مليون عقار مخالف وحصر مرصد العمران 8.2 مليون وحدة مخالفة)، وتُغمر خزانة الدولة بمليارات من الجنيهات مقابل غرامات التصالح (ما بين 200 إلى 300 مليار جنيه حسب أعضاء مجلس النواب). ولكن قبل أسابيع من نفاذ المدة القانونية ظلت مكاتب الإدارات خالية من الطلبات (وصلها أقل من 100 ألف طلب تصالح حتى شهر ديسمبر الماضي أو 3 بالمئة فقط من إجمالي المخالفات)، وظلت خزانة الدولة خاوية من غنيمة الغرامات (فقط 30 مليون جنيه، ولكنها تمثل رسم فحص الطلبات فقط وليس الغرامة)، مما أدى إلى إعادة مناقشة قانون التصالح في مجلس النواب الشهر الماضي، في واقعة نادرة لتعديل قانون في أقل من ستة أشهر منذ تاريخ سيريانه. وها نحن منتظرون صدور النسخة المعدلة والتي تأتي على رأس موادها الجديدة مد العمل بالتصالح لستة أشهر أخرى. فماذا حدث؟

قانون ولد ميتًا

رغم عمل الحكومة ومجلس النواب أربعة سنوات على سن قانون التصالح، ولد القانون ميتًا. فعلى الصعيد الفني، تعقدت العديد من إجراءاته، ولم تتضح سبل تنفيذ إجراءات أخرى. ولكن على صعيد فلسفة القانون، لم يعطى أية ميزة حقيقية لأصحاب الشأن، أي ملاك العقارات والوحدات المعني بها القانون. بل فهو فرض عليهم أعباء لا يستطيعون تحملها حيث تمت كتابة القانون من وجهة نظر الحكومة فقط، دون الأخذ باعتبارات الملاك والسكان، مما جعل منه جباية.

فأكبر عقبة في تطبيقه كانت تكاليفه المرتفعة على أصحاب العقارات. أعلى هذه التكاليف هي غرامة التصالح نفسها، والتي تتراوح ما بين 50 إلى 2000 جنيه للمتر المربع. فعلى سبيل المثال يمكن لصاحب شقة 150 مترًا في مدينة حددت الغرامة بها بألف جنيه للمتر أن يُطالب بتسديد 150 ألف جنيه مقابل التصالح، والتي تمثل نسبة كبيرة من قيمة الشقة نفسها. بينما عائلة صاحبة منزل ريفي بمساحة 100 متر مكون من أربعة أدوار في عزبة صغيرة حددت المخالفة بها بـ100 جنيه للمتر، ستقوم بتسديد 40 ألف جنيه غرامة تصالح، وهو أيضًا مبلغ كبير على فقراء الريف.

بالإضافة إلى الغرامة، على أصحاب العقارات تقديم تقارير هندسية تكلف الآلاف التي تسدد إلى المهندسين الاستشاريين ونقابة المهندسين التي تصدق على كل تقرير. كما أن أصحاب العقارات غير المطلية عليهم طلاء الواجهات لقبول طلبهم. وحتى إذ توافرت الأموال، وقبل البعض بتقديم طلبات التصالح، بات هذا الأمر شبه مستحيلًا في العقارات الاستثمارية والتي تم بيع وحداتها إلى ملاك من الأفراد، لأن القانون نص على تقديم طلب التصالح، ومعه تسديد التكاليف والغرامة، على كامل العقار وليس كل وحدة على حدها. فأي ساكن لعقار متعدد المُلاك يعلم جيدًا مشاكل اتحاد الشاغلين اللا نهائية. فكيف عليهم التوافق والاتفاق على تسديد عشرات الآلاف من الجنيهات لغرامة لم يقم غالبيتهم بالتسبب فيها، في حين أنهم لا يستطيعون جمع المئات لصيانة المصاعد وتنظيف المداخل؟

وهنا يقع أهم سبب لفشل قانون التصالح لأنه ساوى ما بين فئتين مختلفتين من أصحاب الشأن: أصحاب العقارات الأصليين، أي من قاموا بعملية البناء نفسها وقد تظل العقارات في حيازتهم أو لا، ومُلاك الوحدات المباعة بالشراء.

مُلاك العقارات الأصليين

تقع على هذه الفئة المسئولية الجنائية لمخالفة قانون البناء، حيث توجه إليهم الإنذارات والمحاضر، والإجراءات القضائية. ولذا فلقانون التصالح أهمية لدى الملّاك الأصليين نظرًا إلى نصه على تجميد الملاحقات القانونية عند تسليم طلب التصالح، وإن قُبل، تُسقط الدعاوى وتُحفظ التحقيقات ويُوقف تنفيذ الأحكام، إن كان هناك أحكام نهائية بالحبس. فالمستفيد الأكبر من هذا النص هم المُلاك الساكنون بهذه العقارات ومن قاموا ببنائها لاحتياجهم الاجتماعي للمسكن، خاصة في الريف. ولكن هناك الكثير من المُلاك المستثمرين، وأغلبيتهم بالمدن، الذين تمرَّسوا على البناء المخالف بغرض الاستثمار، وقاموا باللجوء إلى "الكاحول"، وهو شخص يتحمل العواقب القانونية بالوكالة عن المالك الأصلي في مقابل مبلغ مالي.، ولن يعنيهم التصالح.

 مُلّاك الوحدات بالشراء

أما هذه الفئة، فلا توجد مسئولية قانونية عليهم، إنما هم الضحية لعملية قد تشهد التضليل. لذا لا توجد أي أهمية لهم للتقنين، إلا لشراء راحة البال من حالة عدم الاستقرار التي لم يكن لديهم أي شأن به، سواء تهديدات الدولة بقطع المرافق عنهم حال عدم التصالح، أو لتسجيل الملكية لدي الشهر العقاري بعد إصدار شهادة التصالح وهى بمثابة ترخيص رسمي بالبناء، بالإضافة إلى استكمال توصيل المرافق بشكل رسمي. ولكن تنخفض نسب التسجيل في مصر إلى ما بين 3% إلى 10% فقط من العقارات، وتعتمد الأغلبية العظمى على منظومة القضاء في تسجيل العقود فقط (وليس العقار) من خلال أحكام صحة التوقيع أو الصحة والنفاذ. كما قامت وزارة الكهرباء بتوصيل نحو مليون من العدادات الرسمة حتى سنة 2011، بالإضافة إلى 1.8 مليون من العدادات الكودية إلى العقارات المخالفة ما بين عامي 2011 و2018. لذا، لا يوجد دافع كبير لقيام سكان العقارات المخالفة بالتصالح، خاصة لمن لديهم مرافق قبل سنة 2011، بالنيابة عن المُلاك الأصليين، أو بالمشاركة معهم.

من ناحية أخرى نص قانون التصالح على استكمال إجراءات المخالفات البنائية إذا رُفض طلب التصالح وللعقارات التي لم يُقدم لها طلب تصالح، والتي تترتب عليها، عند ثبوت المخالفة، إصدار قرار بالإزالة. ولكن اعترف في تقرير قانون التصالح مجلس النواب بصعوبة تطبيق القانون على هذه الأعداد الكبيرة من المباني المخالفة، وبأهمية المصلحة العامة، أي الحفاظ على مساكن الملايين. فماذا تغير اليوم؟ هنا يناقش مجلس النواب من ضمن تعديلات قانون التصالح قطع المرافق عنها حال عدم تقدمهم بطلبات التصالح، أو الحجز الإداري عليها، أو رفع قيم المرافق ثلاثة أضعاف على من لم يتقدم إلى التصالح. ولكن يشوب هذه التهديدات عدم الدستورية.

 أهميته لسكان العقار والعقارات المجاورة

أحد مطالب التقنين تقديم تقرير عن السلامة الإنشائية للمبنى (المادة 4)، وهو مطلب مهم نظرًا إلى تفشي ظاهرة انهيار العقارات في مصر. ففي سنة 2012/2013 وقع أكثر من 390 حادث انهيار، تسببت المباني المخالفة في أقل من 10% منها، ولكن كانت وراء 36% من حالات الوفاة التي تم رصدها، وكان ذلك بسبب الأبراج المكونة من عشرة أدوار فأكثر، والتي تم بناؤها في عدد من مدن مصر، على رأسها الإسكندرية والقاهرة، والتي كانت مكتظة بالسكان، أو انهارت فوق العقارات الأصغر المجاورة لها. فشرط اجتياز التقرير الهندسي يعتبر شرطًا مهمًّا للسلامة العامة للمباني الكبيرة.

ولكن تتعدد المخالفات الإنشائية ما بين ما يمكن إصلاح وضعه ليصبح آمنًا، إلى ما لا يقبل الإصلاح، ولم ينص القانون على إعطاء فرصة لإصلاح العقار المعيوب. وهل ستقوم الحكومة بإزالة العقارات غير الآمنة إنشائيًّا، والتي عجزت من قبل على إزالتها، مع توفير سكن بديل لسكانها؟

فشل القانون المعدّل قبل تمريره

قاعدة تطبيق أي قانون تُبنى على نشر العدالة بين المواطنين. فإذا شعرت الأغلبية بالاستفادة منه ورجوعه عليهم بفائدة، كان تطبيقه سهلًا، وشجع السكان الحكومة على تطبيقه. أما إذا كان الغرض منه فرض الجباية فقط، وعمله كأداة تَحكُم، فسيتهرب منه السكان، بل سيقومون برفضه، وهذا ما نراه في تعثر تطبيق قانون التصالح حتى اليوم. مع إعادة مناقشته في مجلس النواب دون أخذ هذه الجوانب في عين الاعتبار، ستفشل النسخة المعدلة منه، كما فشلت نسخته الأصلية.

 

يحيى شوكت باحث عمراني ومحرر موقع مرصد العمران
التعليقات