اضطرابات فى الجنة - من الفضاء الإلكتروني «مدونات» - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2020 9:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

اضطرابات فى الجنة

نشر فى : السبت 27 أبريل 2019 - 10:00 م | آخر تحديث : السبت 27 أبريل 2019 - 10:00 م

نشرت مدونة «ديوان» الصادرة عن مركز كارنيجى للشرق الأوسط مقالا للكاتبة «ياسمين فاروق» تتناول فيه أبرز الخلافات فى العلاقات الأمريكية السعودية والتى قد تؤثر على استراتيجية العلاقات بين البلدين.

أطلق الرئيس دونالد ترامب مؤشرا جديدا على دعم السعودية فى 16 إبريل. فقد استخدم حق النقض (الفيتو) ضد قرار مشترك صدر عن الكونجرس دعاه فيه إلى «سحب القوات الأمريكية من الأعمال العدائية الدائرة فى اليمن أو التى تؤثر على البلاد» فى غضون 30 يوما، إلا إذا وافق الكونجرس على أى انسحاب متأخر للقوات، أو إعلان الحرب، أو السماح بنشر القوات الأمريكية. غير أن دعم ترامب للسعودية قد لا يبقى بالقوة التى هو عليها اليوم إلى ما لا نهاية. وبالفعل، ثمة اختلافات جذرية بين الطرفين على صعيد خمسة مجالات مهمة لكلٍ من البيت الأبيض والقيادة السعودية.

يتعلق أول هذه الاختلافات بالنفط. فلا تتفق سياسة السعودية القائمة على خفض إمدادات النفط لرفع أسعاره مع أولوية ترامب لإبقاء الأسعار منخفضة. كانت السعودية قررت انتهاج هذه السياسة بسبب قرار الولايات المتحدة العام الفائت إعفاء عدد من مشترى النفط الإيرانى من الالتزام بالعقوبات التى فرضتها على شرائه وأيضا حاجة السعودية لتغطية معدلات الإنفاق المرتفعة بشكل استثنائى فى الموازنة الحالية. وبما أن قرار إدارة ترامب فى 22 إبريل بوقف جميع الإعفاءات قد حظى بتأييد المملكة، فمن المحتمل أن تجرى هذه الأخيرة تغييرا ما فى سياستها الخاصة بخفض إمدادات النفط.

لكن لوضع حد لأى توترات بين البلدين حيال أسعار النفط، قد تضطر السعودية إلى «القيام بأكثر من مجرد التعويض» عن تراجع إمدادات النفط الإيرانية من أجل الحؤول دون ارتفاع الأسعار. وسيتوقف ذلك على علاقات السعودية بإدارة ترامب، وعلى ما تحتاج إليه المملكة لتوفير نفقات موازنتها، فضلا عن الاتفاقية السارية حاليا بقيادة السعودية والتى جعلت منظمة أوبك والدول الرئيسية الأخرى المصدرة للنفط، ولا سيما روسيا، تخفض إمداداتها وتخاطر بحصتها السوقية. وبما أن الولايات المتحدة أصبحت من الدول المصدرة للنفط، فقد يُضعف ذلك قريبا نفوذ السعودية فى التأثير على أسعار النفط.

كذلك، جاء إرجاء طرح أسهم شركة النفط السعودية أرامكو للاكتتاب العام دوليا بمثابة مفاجأة سيئة للمؤسسات المالية والنفطية الأمريكية، والتى كانت تنتظر أن تتحول الشركة إلى قدر أكبر من الشفافية. وكانت هذه المؤسسات قد خططت لاستثمارات بقيمة مليارات الدولارات فى أرامكو وفى الاقتصاد السعودى. وكذلك فاقمت تدابير أخرى التوترات القائمة. فقد شاطر الكونجرس ترامب استياءه من أوبك، من خلال إعادة طرح مشروع قانون منع التكتلات الاحتكارية لإنتاج وتصدير النفط (NOPEC) والذى يجعل من أى خطوات سعودية، فردية أو جماعية، تهدف إلى التحكم بإنتاج النفط أو أسعاره أو تجارته «غير قانونية»، ما يسمح بملاحقة السعودية قضائيا فى المحاكم الأمريكية. وقد أدت عواقبه المحتملة إلى صدور تقارير صحفية تفيد أن المملكة قد ترد بالامتناع عن استعمال الدولار فى التعاملات النفطية، إلا أن وزير الطاقة السعودى أصدر بيانا نفى فيه ذلك.

***
ثمة مجال ثانٍ يرتبط بهذه التوترات حول النفط، فى إطار الاختلافات بين الطرفين. إذ عززت السعودية أكثر فأكثر اعتمادها النفطى المتبادل مع الصين، التى تُعتبر المنافس التجارى الرئيس لإدارة ترامب. وقد زادت المملكة بشكل ملحوظ صادراتها النفطية إلى الصين واستثماراتها فيها، حتى حين خفضت إنتاجها النفطى عالميا. كما أنها لا تزال تتنافس لتصبح المورد الرئيس للصين، ثانى أكبر دولة مستهلكة للنفط فى العالم. وبالفعل، لا تزال نسبة 87% من موازنة السعودية تعتمد على النفط، والصين هى أكبر زبون للسعودية.

تجدر الملاحظة هنا أن الاستثمارات المتبادلة بين السعودية والصين فى قطاع الطاقة، لا تتلاءم مع رؤية إدارة ترامب لأسواق الطاقة فى المنطقة. ففى حين تسعى الولايات المتحدة إلى وضع حد لسيطرة الدولة على قطاعات الطاقة لصالح الشركات الخاصة والسوق الحرة، يقوم التعاون السعودى ــ الصينى على سيطرة الدولة. علاوة على ذلك، بدأت السعودية تصبح شريكة فى مبادرة الحزام والطريق الصينية بسبب مركزيتها بالنسبة إلى موارد الطاقة ومسارات التجارة الصينية. وبكونها جزءا من شبكة الطاقة والتجارة الصينية، ستكون السعودية أقل التزاما بهدف واشنطن المتمثل بإنشاء شبكة طاقة بين حلفائها فى الشرق الأوسط.

وعندما يتعلق الأمر بالصين، تبرز مشاكل أخرى أيضا بين واشنطن والرياض. فتعاون السعودية مع شركة «هواوى تكنولوجيز» يتعارض مع الحملة التى شنتها الإدارة ضد تكنولوجيا الجيل الخامس G5 التى أطلقتها الشركة. وفى الوقت نفسه، قد تصبح مخاوف واشنطن حيال تعاون نووى قائم بين الصين والسعودية أكثر حدة، فى حال عرقل الكونجرس التعاون النووى بين الولايات المتحدة والمملكة.

***
يتمثل مصدر ثالث للتوتر فى موقف السعودية من «صفقة القرن» المرتقبة بين الفلسطينيين والإسرائيليين التى أعدها ترامب. فالدعم السعودى المزعوم للخطة مستبعد. وكانت القضية الفلسطينية البند الأول فى خطابات الملك سلمان أمام المنتديات المحلية والإقليمية، ولاسيما منذ أن سمى القمة العربية لعام 2018 «قمة القدس» ردا على اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على المدينة الموحدة. وأكد الملك باستمرار على التزام السعودية بدولة فلسطين فى الضفة الغربية وعاصمتها القدس الشرقية، و«رفض بشكل تام» القرار الذى اتخذته الولايات المتحدة أخيرا بالاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.

كما زاد الملك سلمان مساهمات السعودية إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التى تُعنى باللاجئين الفلسطينيين من أجل التعويض عن قرار الولايات المتحدة قطع التمويل عن الوكالة. علاوة على ذلك، استضاف العاهل السعودى الرئيس الفلسطينى محمود عباس عشية الاجتماع الوزارى فى وارسو حول مستقبل السلام والأمن فى الشرق الأوسط فى فبراير الماضى، متحديا بشكل واضح إجراءات إدارة ترامب بحق الفلسطينيين. وتُعتبر تفاعلات السعوديين السلبية على موقع تويتر إزاء أنباء التطبيع مع إسرائيل، مؤشرا على احتمال صدور ردود فعل محلية معارضة لأى دعم سعودى لسياسة الإدارة الأميركية فى هذا الخصوص.

***
أما المجال الرابع الذى تختلف فيه سياستا دونالد ترامب والملك سلمان فهو علاقات السعودية العسكرية مع روسيا. فإدارة ترامب لم تبدِ أى رد فعل بعد على تسليم نظام قذف الصواريخ (flamethrower system) الروسى إلى السعودية. ويُعتبر النظام جزءا من الاتفاق نفسه الموقع عام 2017 والذى شمل إقدام المملكة على شراء نظام الدفاع الجوى الروسى Sــ400.

وقد تدفع أزمة الثقة المتفاقمة بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه قطاع الدفاع السعودى بالرياض إلى تعزيز تعاونها الاستراتيجى على الصعيدين العسكرى والنووى مع روسيا. فترامب يضع الحد من شراء السعودية للأسلحة الروسية فى سلم أولوياته، بما يتفق مع قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات. وحتى الآن، لم ينتهك الانخراط السعودى ــ الروسى فى الصراعات الدائرة فى الشرق الأوسط أى خطوط حمراء رسمتها أميركا.

يتأتى مصدر ضغط أخير على العلاقات الثنائية من الكونجرس، حيث يبذل الحزبان جهودا ضد السعودية فى كلٍ من مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ويتجلى ذلك فى التشريعات وغيرها من النصوص العدائية المطروحة منذ عام 2017. صحيح أن النتيجة غير مؤكدة، إلا أن اللهجة والمجالات التى تغطيها التشريعات وتبعاتها القانونية، جميعها تشير إلى تكلفة مرتفعة قد تتكبدها السعودية. وسبق لروبرت مينينديز، العضو البارز فى لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس الشيوخ، أن جمد مبيعات أسلحة إلى السعودية بسبب الحرب فى اليمن. كما لا تزال المملكة حاضرة دائما فى النقاشات التى تدور داخل الكونجرس وبين الكونجرس والإدارة، وفى حملات المرشحين للرئاسة.

ستترتب على أفعال مماثلة تداعيات طويلة الأجل. فبعض أعضاء الكونجرس يسعون إلى إدخال تغييرات تشريعية قد تعزز دور الكونجرس فى السياسة الخارجية، حتى بعد رحيل إدارة ترامب. صحيح أن العلاقة الشخصية بين البيت الأبيض والقيادة السعودية أبعد ما تكون عن التشكيك بها، لكن يجب ألا يقلل المرء من شأن تأثير خلافاتهما السياسية لدى تقييم مستقبل الشراكة الاستراتيجية الأمريكية ــ السعودية.

التعليقات