البائع المتجول.. السياسى المتجول - سامح فوزي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 5:28 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

البائع المتجول.. السياسى المتجول

نشر فى : الأربعاء 27 أغسطس 2014 - 7:45 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 أغسطس 2014 - 11:39 ص

التجول سمة تتجاوز الباعة المتجولين، الذين احتلوا أرصفة شوارع وسط القاهرة، وأجبروا منذ أيام على تركها، والذهاب مؤقتا إلى جراج «الترجمان». هناك ساسة يتصرفون مثل الباعة المتجولين من حيث طريقة التفكير، والسلوك، مما يجعل المرء يعتقد أن التجول سمة حاضرة فى السياسة.

البائع المتجول يفترش رصيفا لا يمتلكه، ولا يريد أن يدفع أى ضرائب، تماما مثل بعض الساسة الذين يفرضون أنفسهم على الساحة، ولا يريدون أن يتحملوا أى أعباء تجاه الوطن. وقد يضطر البائع المتجول إلى ترك الرصيف إذا ضاق الحال به، ويذهب إلى آخر بحثا عن لقمة العيش، وهناك من الساسة من يتنقلون بين تيارات سياسية، وأحزاب، وحركات بحثا عن الحضور. وفى بعض الأحيان عندما يضيق صدر البائع المتجول، ويشعر بالنفور تجاه سلوك أقرانه يتجه إلى الشجار معهم خاصة إذا وجد أحدهم يزاحمه الرصيف، وينافسه البيع، وهو سلوك ليس بعيدا عن بعض الساسة الذين يقودون معارك شخصية بحته، يلبسونها رداء الوطنية، لكنها تظل ذاتية، نفعية، يحركها مكبوت الرغبات والشهوات. نهاية هؤلاء الباعة المتجولين هو جراج «الترجمان» مؤقتا، قبل الانتقال إلى سوق أخرى دائمة، نفس الأمر ينطبق على الساسة المتجولين الذين ينبغى أن تكون نهايتهم مع ظهور جيل من الساسة يشكلون نخبة جديدة تزيح النخبة القديمة التى أدمن بعضها التجول دون أن يشعر بخجل أو تحدٍ.

البائع المتجول يحتاج إلى سوق عشوائية، والسياسى المتجول لا يعيش بعيدا عن عشوائية السياسة، يصرخ، ويقامر، ويتآمر، ويزيح منافسين، ويعقد الصفقات، لم يتعود على ممارسة نشاطه فى أروقة مؤسسات مستقرة ولكن فى سوق بلا ضوابط، وحتى إن التحق بمؤسسة فإنه يحمل إليها ثقافة «السوق»، التى تعلمها، وأدمنها.

بالتأكيد مصر تحتاج إلى التخلص من ظاهرة الباعة المتجولين، أى الاقتصاد غير الرسمى، وإدماج جميع الأنشطة الاقتصادية والتجارية فى إطار الاقتصاد الرسمى، المسجل والمعروف، ولكنها تحتاج بدرجة أكبر إلى التخلص من الساسة المتجولين، الذين ليس لهم هم سوى المصلحة الخاصة على حساب الصالح العام. نجدهم أحيانا إسلاميين، وأحيانا أخرى قوميين، ولا بأس فى أن يظهروا ليبراليين حسب اللحظة السائدة، يساعدهم لغو الكلام على تسويق مواقفهم، وهم على استعداد أن يكونوا فى أى جانب، بمعنى أى رصيف فى السوق السياسية، يضمن لهم المنفعة. أمثلة هؤلاء كثر ولا داعى للتفصيل.

وقد يكون مفيدا أن نتذكر الفيلسوف البريطانى الشهير «فرنسيس بيكون» ــ الذى ظهر فى مرحلة التحول التى مرت بها أوروبا ــ متحدثا عن خطورة «أوهام السوق» ــ الناشئة عن تبادل الأفكار باستخدام لغة حبلى بمعانٍ شتى، ولها تأثير سلبى على العامة فى المجتمع.

جراج «الترجمان» مكان معروف، ويمكن أن يشكل استضافة مؤقتة للباعة المتجولين، أما الساسة المتجولين فلا أعرف أى مكان يستضيفهم، أخشى أن يكون «مجلس النواب»، وهو ما سوف يمدد غياب التصور السياسى فى المجتمع.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات