ألمانيا الأمس وإيران الغد.. ماذا بعد الحرب والتسوية؟ - طارق فريد زيدان - بوابة الشروق
الأحد 28 يونيو 2026 8:41 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

ألمانيا الأمس وإيران الغد.. ماذا بعد الحرب والتسوية؟

نشر فى : الأحد 28 يونيو 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الأحد 28 يونيو 2026 - 7:15 م

من الحرب العالمية الأولى إلى «الحرب العالمية الثالثة»، لم يعد قصر فرساى مجرد تحفة معمارية تجسد ذروة المجد الملكى الفرنسى فى عهد لويس الرابع عشر، بل تحول، خلال القرن الأخير، إلى شاهد على صياغة التحولات الكبرى فى النظام الدولى.
منذ توقيع معاهدة فرساى عام 1919، التى وضعت حدًّا للحرب العالمية الأولى، وأرست، ولو مؤقتًا، أسسًا جديدة للعلاقات بين الدول، اكتسب القصر مكانة تتجاوز التاريخ والفن لتلامس الجغرافيا السياسية نفسها. ففى قاعاته التى شهدت يومًا احتفالات البلاط الملكى، تعاقبت لقاءات وقمم ومناسبات دبلوماسية استُحضرت فيها ذاكرة التسويات الكبرى، سواء لتكريس موازين قوى جديدة، أو لمحاولة احتواء أزمات دولية متجددة. وعلى مدى أكثر من قرن، بقى فرساى حاضرًا فى المخيال السياسى الأوروبى والعالمى بوصفه مكانًا تختلط فيه رمزية الإمبراطوريات المنهارة بطموحات القوى الصاعدة، وحيث يُستدعى الماضى كلما بدا العالم على أعتاب إعادة رسم خرائط النفوذ أو البحث عن صيغ جديدة للسلام والاستقرار.
• • •
اتفاقية سلام من أربعة عشر بندًا وقّعها الرئيس الأمريكى وودرو ويلسون مع ألمانيا المهزومة قبل أكثر من مائة عام فى مدينة فرساى الفرنسية. والمفارقة أن الرئيس دونالد ترامب وقّع اتفاقية سلام من أربعة عشر بندًا مع إيران المأزومة بعد نحو مائة عام فى القصر الفرنسى ذاته. هذه المفارقة تحمل دلالات رمزية. غير أن السؤال الحقيقى لا يتعلق بعدد البنود أو مسرح التوقيع، بل بكيف سينعكس إبرام التسوية النهائية بين إيران وأمريكا على موازين القوى فى الإقليم فى المرحلة المقبلة؟
لا تواجه إيران اليوم اتفاقية شبيهة بمعاهدة فرساى الأولى. فلا قوة منتصرة تفرض، ولا قوة مهزومة جاهزة لتقبّل شروط الاستسلام، كما جرى مع ألمانيا. حتمًا، بلغت رحلة إيران فى جغرافيا المنطقة السياسية، على مدى سبعة وأربعين عامًا، لحظة الحسم. لا يمكن للثورة أن تستمر ثورة، ولا يمكن للخطاب الدينى أن يستمر، ولا يمكن للنفوذ أن يتخذ الصورة والأشكال نفسها التى اتخذها طيلة العقود التى مضت، ولا يمكن لإيران أن تستمر دولة بعلاقات مأزومة مع محيطها، ولا سيما دول الجوار الخليجى العربى.
بهذا المعنى، تواجه إيران منعطفًا تاريخيًا قد يعيد تعريف دورها الإقليمى والدولى لعقود مقبلة، تمامًا كما حدث مع ألمانيا. ثمة استدراك فى هذا السياق، هو أن ألمانيا أصبحت القوة الاقتصادية الأولى فى أوروبا بعد أن خرجت مكسورة ومدمرة من حربين عالميتين. وها هى، بعد قرن من الزمن، تستعد للانتقال من الهزيمة إلى القيادة، فماذا ينتظر «إيران الجديدة» فى العقود المقبلة، بعد نصف قرن من القتال مع الولايات المتحدة، أعتى قوة استعمارية فى التاريخ الحديث؟
• • •
فى خريف عام 1944، بدأت العاصمة البريطانية تتعرض لهجمات بصواريخ «V2»، أول صواريخ باليستية فى التاريخ. انطلقت هذه الصواريخ من مواقع ألمانية فى أوروبا المحتلة، وعبرت مئات الكيلومترات بسرعة تفوق سرعة الصوت، بحيث كان يصل الصاروخ إلى هدفه قبل أن يسمع الناس هدير اقترابه. كان الأمر، بالنسبة للبريطانيين، إعلانًا عن ولادة عصر عسكرى مختلف تمامًا.
والمفارقة التاريخية أن هذا السلاح الذى أرعب لندن لم يكن نتيجة انتصار ألمانى، بل وُلد من رحم الهزيمة. انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918 بانتصار الحلفاء وهزيمة الإمبراطورية الألمانية. حملت أوروبا الخارجة من الحرب شعورًا بالخوف من عودة ألمانيا قوةً عسكرية كبرى، إذ اعتبر كثير من الساسة الأوروبيين أن القوة الصناعية والعسكرية الألمانية كانت العامل الرئيسى وراء حجم الدمار فى الحرب.
لهذا السبب، جاءت معاهدة فرساى عام 1919 قاسية المضمون على ألمانيا: تعويضات مالية ضخمة، واقتطاع أجزاء من أراضيها، وخفض حجم جيشها، ومنعها من امتلاك أسلحة استراتيجية، إلخ. كان الهدف المعلن ضمان ألا تتمكن ألمانيا من تشكيل تهديد مستقبلى لأوروبا مرة أخرى.
فى تلك اللحظة، بدا أن ألمانيا خرجت نهائيًا من معادلة القوة الدولية: دولة مهزومة، مُقسّمة، منزوعة القدرات العسكرية، ومثقلة بالديون وبإرث حربين عالميتين.
لم يكد يمر عقد من الزمن حتى وصلت ألمانيا، فى مشارف ستينيات القرن الماضى، إلى عتبة اقتصادية متميزة، ووجدت نفسها تستفيد، كما غيرها من دول القارة الأوروبية، من برنامج «مارشال» الذى موّلته الحكومة الأمريكية، فضلًا عن بناء قاعدة اقتصادية كبيرة جعلتها رائدة فى قطاعات عدة.
وهكذا أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية ليست دائمًا العامل الحاسم فى تحديد مكانة الدول على المدى الطويل، ذلك أن إغلاق أبواب معينة أمام الدولة المهزومة يدفعها إلى البحث عن أبواب أخرى. فالقيود لا تلغى الطموحات، بل تدفعها أحيانًا إلى تغيير المسار.
هذا التحول الألمانى يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى إيران بعد الحرب الأخيرة. فمعاهدة فرساى التى صيغت لمنع عودة تهديد المدفعية الألمانية ساهمت فى فتح الطريق أمام «عصر الصواريخ»، والضغوط التى فُرضت على إيران منذ عام 1979 دفعتها إلى تطوير أدوات مختلفة للحفاظ على نفوذها وقدراتها، وبينها بناء قاعدة اقتصادية ضخمة يغلب عليها الطابع العسكرى. وكما حدث مع ألمانيا، لم تؤدِّ هذه الضغوط إلى إنهاء السعى إلى القوة، بل إلى البحث عن أدوات بديلة لتحقيقها. وبينما جرى تفكيك البرنامج الصاروخى الألمانى بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت إيران من الحرب الأخيرة محتفظة ببرنامجها الصاروخى، الذى أثبت أنه ما زال يمثل أحد أهم عناصر القوة الإيرانية وأدوات الردع الاستراتيجية لديها. وها هى تُعوّل على برنامج «مارشال» أمريكى بقيمة 300 مليار لإطلاق ورشة تنموية شاملة يُفترض أن تنقلها من ضفة إلى أخرى، بالمعنى الاقتصادى والاجتماعى، فى العقود المقبلة، إذا تمكن النظام من تجديد نفسه وتعديل أولوياته.
ولا تكمن أهمية الترسانة الصاروخية فى قدرتها التدميرية، بل فى وظيفتها السياسية؛ فالدول تبنى قدرات الردع لخلق بيئة استراتيجية تسمح بحماية مصالحها وتحقيق أهدافها الكبرى. لذا، يأتى سؤال ما بعد إثبات الذات (معادلات الردع الإيرانية)، وهو سؤال سيتمحور حوله النقاش الداخلى، كما مع دول الجوار ومع المجتمع الدولى، فى المرحلة المقبلة.
على مدى عقود، استعانت إيران بالأذرع فى المنطقة، وغالبًا ما جرى التعامل معها بوصفها مصدرًا رئيسيًا لنفوذ طهران الإقليمي. لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن النفوذ الإيرانى لا يقتصر على هذه الشبكات وحدها. عندما دخلت إيران مباشرة إلى ساحة المواجهة، بدا واضحًا أن مركز الثقل الحقيقى موجود داخل الدولة الإيرانية نفسها، وفى الجغرافيا التى تُقيم فيها، ولا سيما عند بوابة مضيق هرمز. وإذا كانت إيران راهنت على منع القتال على أرضها، مستفيدة من تجربة الحرب العراقية الإيرانية طيلة ثمانى سنوات، فإن تجربة الحرب الأخيرة وضعتها وجهًا لوجه مع أمريكا وإسرائيل فى ميدان عسكرى صار حلفاء إيران بحاجة إلى من يوفر لهم الحماية، كما حصل مع لبنان، أى بعكس الوظيفة التى انتفت قيمتها الاستراتيجية فى يوم الثامن والعشرين من فبراير 2026.
• • •
قد تكون الحرب الأخيرة بداية مرحلة جديدة فى التفكير الاستراتيجى الإيرانى. إيران اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخى بعد أن تمكنت من إثبات موقعها الاستراتيجى (مرتكز): ثمة طريق أول يفضى إلى نموذج الدولة التى تحول خبراتها وأزماتها إلى مشروع نهضة طويل الأمد عبر التصالح مع إقليمها، كما فعلت ألمانيا واليابان بعد الحروب الكبرى، أو تعتمد الطريق الثانى الذى يجعلها تدور فى حلقة من الأزمات والصراعات المفتوحة.
كاتب سعودى

طارق فريد زيدان كاتب سعودي
التعليقات