تتواتر الاجتهادات القيمة فى مسعى لفهم المشهد واستيضاح اتجاهاته، مع محاولات جادة لاستشراف المآلات وصياغة السيناريوهات، ذلك عبر الدراسة المتواصلة، والاستعانة بالجوانب العلمية والأكاديمية، سواء النظريات البحتة أو حتى الدراسات والأبحاث، والتى طالما مثلت بداية الخيط للتتبع والاستكشاف، ومن ثم قراءة جيدة وتقدير حقيقى للموقف. ورغم إسهامات نفس الاجتهادات تجاه تفسير اتجاهات أو سياسات بعينها، أو حتى مستهدفات عدة، سواء ضربات أو هجمات نوعية، فى محاولة لاستخراج الطفرة أو التحول الاستراتيجى، والحقيقة، رغم عدة من الاجتهادات المتواترة والمحترمة، فإن معظمها يدور فى فلك إعادة الصياغات وتبديل العبارات، فى محاولة لإبراز فلسفة جديدة أو إعادة تعريف للوضع، وربما صياغة محاور بالفعل قُتلت بحثًا من المتخصصين وغير المتخصصين، فما تزال هذه الحرب وهذه الجولة عصية، بالمعنى الحرفى، على القفزات التحليلية المتواصلة وغير المنقطعة، سيما ما يخص الوقوف على فك الشفرة بين الجانبين، من حيث تراجع القدرة على الحسم، تحديدًا نفوذ واشنطن، وبروز ما يعرف بتوازنات الضغوط، أدت بشكل أو بآخر إلى استمرار الجولات التصعيدية، دون ترجيح الكفة لصالح طرف بعينه، وفى محاولة جديدة نواصل اللحاق بهذه النخب واجتهاداتها، من أجل البحث عن فلسفة جديدة أيضًا تخدم على تقدير الموقف، أو حتى صياغة رؤية قادرة على فهم المشهد ولو بنسبة.
أولًا: مضامين الحرب الشاملة
تخطينا ما يعرف بالطور المعقد من تاريخ الحرب الاستراتيجية بين الجانبين، على خلفية حجم التشابك ودرجات التصعيد وتداعياته، غير أن التحولات فى المنهجية الأمريكية وما نتج عنها من حالة من التشويش تجاه تقديرات الموقف، سواء ما تعلق بقدرات الأطراف أو حتى مستهدفاتها المرتقبة، سيما من قبل طرف صاحب نفوذ بقدر وخلفيات واشنطن، تسلط الضوء على حقب تعمدت فيها الدوائر البحثية التعاطى مع تراجع النفوذ الأمريكى، سيما بالتزامن مع حربَى أفغانستان 2001، والعراق 2003، وهنا قُصد بتراجع النفوذ تراجع القيم الليبرالية، ومن ثم عجز واشنطن عن الهيمنة عبر هذه القيم. أما فى الاحتكاك المباشر مع إيران، أُعيد تسليط الضوء على نفس التراجع، لكن هذه المرة بالتأكيد على تراجع حجم الذخيرة والمعدات العسكرية، وهو ما لا يُعقل فى ضوء تشابكات العلاقات والقدرات التسليحية ما بين البنتاجون والمجمع الصناعى العسكرى، بدليل تصريحات البنتاجون تجاه عقد صفقات تسليحية من أجل التصنيع وتحرك عجلة الإنتاج ناحية التخديم على تراجع المخزون الدفاعى، خصوصًا أن معظم التقارير الواردة بخصوص تراجع المخزون أبرزتها صحف اليسار والمعارضة بشكل كبير لسياسات ترامب.
فإذا كانت واشنطن بالأساس تعتبر جولتها مع إيران مجرد عملية عسكرية - وبغض النظر عن حجم المتغيرات طيلة هذه الجولة - إن لم تكن مناورة سريعة تحمل الرسالة الأهم للآسيان، وهو ما يفسر قناعات الكبار فى صراعاتهم الإقليمية، والتى يطلقونها، ومن ثم اعتبارها مجرد عملية عسكرية وليست حربًا استراتيجية بالمعنى المفهوم، بدليل أيضًا أن موسكو فى صراعها مع كييف أطلقت ما يعرف بالعملية العسكرية، إلا أن التطورات دفعت بإطالة آماد هذه العمليات لتنطلق ناحية ما يعرف بالحروب الاستراتيجية، إن لم تكن الشاملة، وهى سمة أخرى ميزت الحرب العصرية، أى ما يعرف بحروب الاستنزاف، وهو الاتجاه التقليدى والذى طالما تم الدفع به لمزيد من الفهم للمشهد، وهو ما يفسر ويُفهم فى سياقاتها أيضًا خفوت نفوذ حتى الكبار وخلال إدارتهم للصراعات، بالمقابل قدرة الطرف الآخر على تلقى الضربات، والتكيف مع هذه الآماد.
وبالعودة للمقاربة الأهم، أى الصراع بمنطقتنا، فرغم خفوت واحتمالات تراجع النفوذ الأمريكى، فإن واشنطن ما تزال قادرة على ضبط إيقاع الصراع، ليس عبر الضربات المحسوبة أو الهجمات المُقدرة من قبل إطلاقًا، إنما عبر التحكم الكامل فى الجولة الجارية، أى أن الولايات المتحدة إذا ما أرادت كفيلة بجعلها شاملة على غرار هجمات الأربعة عشر يومًا، حيث امتدت الهجمات الأمريكية إلى البنى التحتية الإيرانية فى كل صورها: جسور، مخازن دفاعات، أيضًا أعصاب طاقوية ونووية وغيرها، بالوقت نفسه قادرة واشنطن على جعل الصراع عند حد معين، وعبر تقييد طهران، حتى وإن كانت الأخيرة قادرة على تلقى الضربات ومكتفية باستنزاف قدرات الطرف القوى، دون تحقيق أى انتصارات حتى ولو مؤقتة، فى وقت بدت فيه، ولو فقدت كل رهاناتها الاستراتيجية، فى المقدمة مضيق هرمز، فثمة زحزحة لسيادة طهران على الممر العالمى، سيما مع استمرار عملية السيطرة الأمريكية الكاملة على الملاحة الإيرانية وتقييد القدرات الإيرانية البحرية، وهو ما يراهن عليه الرئيس الأمريكى، أى إحكام الضغط الاقتصادى على طهران، وربما توقف الهجمات العسكرية، مع متابعة واضحة لمصير المفاوضات بين الجانبين، وهذه المرة الإيرانى والعمانى، والأهم سيطرة على المضيق العالمى عبر تحركات مكثفة لإزالة الألغام والحشد الدولى لتأمين المضيق.
ثانيًا: توازنات الضغوط تتصدر كبديل عن توازنات القوى
لطالما برزت توازنات القوى كمفهوم، أو بمعنى أدق قيمة، تؤشر بشكل أو بآخر على حالة من الاستقرار وغياب التهديدات، بالنسبة لأمن الدول منفردة أو حتى الأمن الإقليمى ودول الجوار، غير أن أى غياب، ولو طفيف، لهذه التوازنات كفيل بخلق حالة من التهديدات عبر انطلاق الصراعات، ومن ثم يمكن قراءة وفهم مساعى الدول من أجل التسلح وتحويل مصادر القوى إلى نفوذ حقيقى، فى رغبة مُلحة ناحية إحداث مثل هذه التوازنات وتفادى غيابها، وبالعكس تبرز ما يعرف بتوازنات الضغوط أو الردع، وهى القيمة البارزة بشدة فى الصراع الأمريكى - الإيرانى، وربما طول أمد الصراع كما أشرنا أعلاه، على خلفية قدرة الأطراف على إحداث الضغط، ومن ثم صعوبة تفرد طرف بالحسم وإحداث الطفرة النوعية، وهو ما يدعو للتوقف، فى ضوء فارق القدرات بين الطرفين الأمريكى والإيرانى، وعلى كل المستويات عسكريًا، وسياسيًا، وحتى دبلوماسيًا، عبر حجم الحلفاء والدعم الدولى والأممى، لكن يبدو أن الاستعداد الإيرانى لمثل هذه النوعية من الحروب تمكن من جعلها أكثر صمودًا، وربما عقب كل مقاربة عسكرية تتمرس إيران أكثر على فهم المنهجيات الأمريكية وإن تحولت من وقت لآخر، ولعل طهران، والمتعارف عليها فى المراكز البحثية بالدولة المتمرسة على العقوبات أيضًا، على التعاطى العسكرى والاشتباكات مع الكبار، حتى مع ضغوط الداخل وتقلبات الرأى العام، تبدو قد كيّفت أوضاعها مع هذه الحالة من الصراع غير المحسوم وغير المكثف أيضًا، مع خفوت حدة الهجمات عليها، عبر تصدير نفس المشهد للداخل بأن ظروف الحرب تستدعى حالة الاستنفار، ومن ثم استمرار التضييقات الأمنية والسياسية، والأهم اقتصادية، فى وقت يستحوذ الحرس الثورى على موازنة منفردة بعيدًا عن موازنة الجيش الإيرانى.
ثالثًا: رهانات الحسم
يبدو أن مجريات الصراع دفعت بخسارة الأطراف لمعظم رهاناتها، سواء واشنطن، والتى راهنت على عملية عسكرية سريعة، فإذا بالأمر يتطور إلى حرب اقتربت إلى مضامين الحرب الشاملة، بالمقابل فإن طهران خسرت كل رهاناتها، ولم يتبق لها سوى تركيبة نظامها السياسى، والتى بالفعل اعتُبرت قادرة على تلقى الصدمة، بل وابتلاعها، بدليل بقاء نفس النظام وعلى نفس التشكيلة، يجمع ما هو برجماتى وأيديولوجى، يتصدره بالطبع الحرس الثورى وقادته، وإن كان نفس هذا النظام خسرت طهران أهم قادته، بالتالى هنا يبرز تساؤل: ماذا تبقى للرهان عليه؟!
التساؤل الدائر يدفع بتدارك ما طالما استبعدناه منذ أن انطلقت الحرب الدائرة، وهو ثمة تورط أمريكى، لكنه بنسبة وعلى خلفية المقاربات المتعارف عليها، سواء بالمنطقة أو أقصى الشرق، والتى ما تزال حاضرة بالذهنية الأمريكية، وربما نموذج كارتر وفشل تحرير الرهائن الأمريكية عقب الثورة الإيرانية 1979، أى فى وقت كانت طهران منهكة والجمهورية الإسلامية لم تشتد بعد، فماذا الآن؟! بالتالى يصعب عدم الاستجابة لحجم مخرجات أو نتائج هذه الخبرات والتجارب، بدليل عدم الانخراط الأمريكى فى الصراع الدائر بريًا، وما صرح به ترامب: «نتعامل بهدوء شديد وسنواصل الضغط العسكرى بديلا عن الهجمات العسكرية».
وربما القراءة الجيدة للتحركات الأمريكية العسكرية، حتى وإن أبرزت ما أشرنا إليه من نسبة للتورط، لكن هذا لا يمنع حجمًا يذكر من المكاسب السياسية والاستراتيجية تبلورت فى تعزيز النفوذ المباشر لواشنطن، مع سيطرة بشكل أو بآخر على موارد هذه الدول، حتى حرب فيتنام، وبالتزامن مع حجم خسائر البشرية والعسكرية آنذاك، حاربت خلالها أمريكا وعلى مدار ثلاثة رؤساء المد الشيوعى، وربما الانقسامات الجارية بين الآسيان حتى وقتنا هذا، على خلفية هذه الحرب والسياسات الأمريكية آنذاك، بالتالى ستحاول واشنطن وخلال الحرب الدائرة البحث عن عدة من هذه المستهدفات السياسية والاستراتيجية، أهمها صياغة مقترحات أو اتفاقيات تخدم على موقفها، وهو ما يزال بعيدًا فى ضوء استعدادات الجمهورية الإسلامية للتكيف مع الوضع الراهن كما أشرنا أعلاه، والأهم حُكْمَة التغيرات الهيكلية الأخيرة فى القادة، سواء الحرس الثورى أو حتى الأمن القومى، وتحت رعاية المرشد، وكلها تنم عن اتجاهات إيرانية مرتقبة أكثر تشددًا، سيما أن طهران تتعامل من منطلق ليس ما يعرف بالسياسات الانتحارية فقط، إنما «NO THING TO LOSE»، وفى ضوء تغير عدة من المفاهيم والقيم المتعلقة بالحروب الاستراتيجية، وأبرزها أن الحسم العسكرى لم يعد الفيصل فى المشهد، مهما اشتدت حدة الضربات، إن لم تترجم سياسيًا واستراتيجيًا فلا جدوى.