الثورة والسياسة.. من يدفع بالآخر؟ - إيريني سعيد - بوابة الشروق
الإثنين 29 يونيو 2026 7:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

الثورة والسياسة.. من يدفع بالآخر؟

نشر فى : الإثنين 29 يونيو 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الإثنين 29 يونيو 2026 - 6:20 م

ما تزال إشكالية الربط بين الثورة والسياسة حاضرة بقوة فى العديد من الاتجاهات الفكرية ومدارسها. وبالرغم من أن هذا الربط فى حد ذاته عُد كفيلًا بإجهاض قيم الثورات ومضامينها، إلا أن فيه أيضًا قصرًا لهذه القيمة الغنية على السياسة وعلومها، فى حين أن الثورات تشمل المجالات كافة، سواء أكانت معرفية أم تكنولوجية أم غيرها؛ ذلك أن الثورة هى التغيير الجوهرى واللحظة التى لا يتوقف عندها التاريخ، بقدر ما تعمل هى على إعادة تعريفه إن لم يكن إصلاحه.


فالثورة علم يحكمه منطق ويُدار بفلسفة تتشكل فى إطار فطرى، بل غريزى داخل الفرد؛ حيث تنبع من حاجته الأساسية للتغيير، بل بالأحرى للتمرد والعصيان وإعلان عدم القبول. وطالما تناول مفكرو الغرب قيم الثورات ومفاهيمها، على اعتبار أن الفلسفة الثورية الحقيقية برزت ضمن مكتسبات التحولات الأوروبية قبل أكثر من أربعة قرون، وتحديدًا مع اندلاع الثورة الفرنسية. وبالرغم من أن جوستاف لوبون وروسو أرجعا دوافع الثورات إلى ما يتعلق بسيكولوجية المواطن والتغيرات الاجتماعية وتردى أوضاعها، إلا أن ماركس أرجعها إلى التغيرات الاقتصادية الحادة بين البرجوازية والبروليتاريا.


وربما تحركت دوافع هذا الربط بين القيمتين الأهم (الثورة أو السياسة) من المنطلقات المتعارف عليها؛ فالثورة الكلاسيكية أو التقليدية المصاحبة للواقع المجتمعى هى تعبير عن الطبيعة الديناميكية بين الأفراد ونظم الحكم، وهى بالأساس جاءت أيضًا من أجل تغيير نظام الحكم والاعتراض على آليات إدارته، وربما من هنا ارتبطت الثورة بالسياسة على اعتبار أنها تغيير للواقع السياسى.


وإذا ما جاءت هذه الثورة بدافع سياسى، أو أُدرجت ضمن تبعات العمل السياسى، أو اندلعت نتيجة لانفعالات سياسية أو خلافات بين النخب (كالمساعى مثلًا من أجل الوصول إلى السلطة)، فإن هذه النوعية من الدوافع فيها انتقاص من قيمة الثورة ومضامينها، والأهم: دوافعها وحيثيات انطلاقها. فقوة الثورة الحقيقية تنبع من كونها نتاجًا خالصًا لإرادة شعبية وجماهيرية تبلورت من عمق المعاناة وتزايد الحاجات، وعليه تبرز بوصفها عملية جراحية ملحة ودقيقة من أجل إنقاذ الأوطان، لكنها فى الوقت نفسه غير مضمونة العواقب، لاسيما إذا لم يصاحبها أو يحكم انطلاقها أصول وضوابط، وهو ما لا يتحدد بديهيًا فى بدايتها، ولكن وجب أن يتبع انطلاقَها رؤيةٌ حول المسارات المرتقبة، وإلا فلن يُعتدَّ إلا بفوضويتها وعشوائيتها، وهو ما قد يُفقدها مكتسباتها.


هنا يأتى دور السياسة فى أن تعقب اندلاع الثورة؛ لأن الثورة قد تتجه فيما بعد إلى رسم الحياة السياسية وإعادة تشكيل نظام الحكم بما يتواكب ومتطلباتها. وهنا أيضًا يبرز دور الساسة وأصحاب الرؤى والقادرين على قيادة الحياة السياسية الجديدة والحفاظ على مكتسباتها، خصوصًا أن الثورة خلال حراكها تكون قد عملت على فلترة هؤلاء وفرزهم.


بناءً على ذلك، فإن المسار الصحيح هو أن تدفع الثورة بالسياسة وليس السياسة بالثورة. وغير أن ما أسهبنا فيه أعلاه يعد الإطار النموذجى ولو بنسبةٍ ما لترتيب الدوافع والمنطلقات بين القيمتين الأهم، إلا أنه من النادر أن تمضى الأمور على هذا النحو وبهذا الترتيب؛ فكثيرًا ما تُجهض الثورات، ويتم الهجوم عليها، وفى أحيان أخرى تُسرق وتنقض عليها جماعات بعينها نتيجة لغياب الرؤية وعدم تدارك الأولويات. ولدينا فى الثورة المصرية، وتحديدًا يناير 2011، نموذج ومقاربة، لتأتى يونيو 2013 من أجل تصحيح المسار وفك التعقيدات، كونها جاءت عقب أحداث جسام ومشهد مصرى كاد ينفرط عقده.


وربما فى مقدمة مهام ومسئوليات الأكاديمى أو المتخصص فى السياسة وعلومها، هو التخديم على منجزات الوطن وإبرازها، حتى قبل النقد والمعارضة، وهو ما يندرج تحت بند المسئولية الوطنية، ومن ثم كيفية تأطير هذه المنجزات فى إطار منطقى وسند علمى يدعمها ويبرزها. وبالتالى يصعب الحديث عن يونيو دون تسليط الضوء على حجم الإنجاز المصرى الخالص والإرادة الشعبية والوطنية. ولعل ما عمل على إنجاحها هو حالة التوافقات الوطنية التى سادت آنذاك بين المؤسسات المصرية، وفى مقدمتها القوات المسلحة، التى ارتأت بعين الحكمة حتمية مشاركة الأزهر والكنيسة فى هذا الحدث المفصلى فى تاريخ مصر، وهو الأمر الذى ميزها فى المنطقة والشرق، وجعل من مواقفها الخارجية كاشفًا عن قوة مصرية تعقبتها مراكز البحث والفكر الغربى من أجل دراستها والوقوف على عوامل صمودها.


كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية

إيريني سعيد كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية
التعليقات