من قلب الحرب.. أربعة دروس أربكت العالم - طارق فريد زيدان - بوابة الشروق
الخميس 30 أبريل 2026 10:15 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

من قلب الحرب.. أربعة دروس أربكت العالم

نشر فى : الخميس 30 أبريل 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الخميس 30 أبريل 2026 - 7:00 م

 لم تأتِ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلًا جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما حدود القوة؟ أين تنتهى فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأمريكى-الإيرانى فى معادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟

فى البداية؛ دعونا نتفق أن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران ليست مجرد مواجهة أمنية أو اختبارًا لصواريخ وطائرات وأنظمة دفاع. هى أقرب إلى لحظة كاشفة أعادت تثبيت حقائق قديمة حاول كثيرون القفز من فوقها. لحظة أثبتت أن العالم لا يُدار فقط بالتفوق العسكرى أو بالهيمنة التكنولوجية، بل بمنطق تحكمه حدود القوة، وثقل التاريخ، وسطوة الجغرافيا، وسلطة الطاقة.

هذه الحرب لم تكشف فقط عن موازين القوى، بل عن موازين الفهم أيضًا. فقد أعادت طرح السؤال الأهم: هل تستطيع القوة وحدها أن تصنع سياسة؟ وهل يمكن التفاوض من دون ذاكرة تاريخية؟ وهل يمكن تجاوز الجغرافيا بالتحالفات المؤقتة؟ وهل ما زالت الطاقة، برغم كل التحولات التكنولوجية، هى القلب الحقيقى للاقتصاد العالمى؟

من هنا، لا تبدو هذه الحرب حدثًا عسكريًا فقط، بل مجموعة من الدروس الاستراتيجية التى تفرض على الجميع إعادة التفكير فى قواعد اللعبة الدولية، وفى الطريقة التى يُصنع بها القرار فى هذا الشرق الذى لا يهدأ؛ فما هذه الدروس؟

• • •

الدرس الأول هو حدود القوة. من السهل الخلط بين امتلاك القوة وبين القدرة على تحويلها إلى نتيجة سياسية. القوة العسكرية ليست طائرات ودبابات وصواريخ، بل هى القدرة على إنتاج واقع سياسى جديد ومستقر بعد استخدام هذه القوة. الولايات المتحدة تملك بلا شك أكبر ترسانة عسكرية فى العالم، وإسرائيل تملك تفوقًا نوعيًا واستخباراتيًا وتكنولوجيًا هائلًا فى المنطقة. لكن السؤال الحقيقى: هل استطاعت هاتان القوتان أن تنتجا نظامًا سياسيًا جديدًا فى طهران يخدم أهدافهما؟

الانتصار العسكرى لا يعنى بالضرورة انتصارًا سياسيًا. يمكن تدمير بنية تحتية، ويمكن اغتيال قادة، ويمكن فرض حصار خانق. لكن لا يمكن إعادة تشكيل مجتمع كامل، أو تغيير وعى تاريخى، أو إهمال دور مضيق إقليمى فقط بقصف المركز. هنا يظهر مفهوم "حدود القوة" جليًا، أى النقطة التى تتحول فيها القوة من أداة إنتاج إلى أداة استنزاف. القوة حين تعجز عن إنتاج سياسة تصبح عبئًا على صاحبها، ويصبح الانتصار عقيمًا لا ينجب نظامًا جديدًا.

• • •

الدرس الثانى هو أن التاريخ ليس ترفًا فكريًا. التاريخ عنصر أساسى فى آلية صناعة القرار. كثير من المفاوضات الدولية تفشل لأن أصحاب القرار يتعاملون مع الملفات الكبرى بعقلية الصفقة التجارية، لا بعقلية السياسة التاريخية. السياسة ليست عقد بيع وشراء وأرقامًا على طاولة تفاوض، بل هى عملية تراكمية طويلة.

 

فى الحالة الإيرانية، لا يمكن فهم سلوك الدولة الإيرانية من دون فهم تاريخها مع الغرب. من انقلاب 1953 ضد محمد مصدق، إلى الثورة الخمينية عام 1979، إلى الحرب العراقية الإيرانية، إلى العقوبات الدولية، إلى فكرة الحصار الدائم. هذا السياق التاريخى يفعل فعله فى العقل السياسى الإيرانى أكثر من أى تقرير استخباراتى حديث. عندما يدخل فريق واشنطن إلى التفاوض من دون فهم هذا العمق، فإنه يتعامل مع إيران كملف تقنى فقط، بينما ترى إيران نفسها كدولة تخوض معركة وجود ودور وهوية.

لهذا السبب تتحول المفاوضات أحيانًا إلى صفقة لا إلى سياسة. الصفقة تبحث عن الربح السريع، عن الثمن. أما السياسة فتبنى توازنًا طويل الأمد، وتصنع القيمة. الصفقة تسأل: ماذا سأحصل الآن؟ أما السياسة فتسأل: كيف سيعيش هذا الاتفاق بعد عشر سنوات؟ من لا يقرأ التاريخ يُكرّر أخطاءه، ومن لا يفهم ذاكرة الخصم لا يستطيع بناء سياسة معه.

• • •

الدرس الثالث هو الجغرافيا. الجغرافيا، ثم الجغرافيا. قد تتغير الأنظمة، وتُسقط الحكومات، وتُرسم تحالفات جديدة. لكن الجغرافيا تبقى الحاكم الصامت والأقوى الذى لا يمكن القفز من فوقه. الموقع ليس مجرد خريطة، إنه قدر سياسى.

إيران هى عقدة جغرافية مركزية تربط الفضاء الغربى، بكل ما يحمله من مصالح، بآسيا الوسطى. تطل على بحر قزوين وتشرف على مضيق هرمز. تلامس العراق وتركيا وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان، وتملك امتدادًا مباشرًا على الخليج العربى. هذه الجغرافيا تجعلها لاعبًا ثابتًا لا يمكن شطبه. يمكن الضغط عليها ومحاصرتها، لكن لا يمكن إلغاؤها. ولهذا فإن الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط من دون إيران كحقيقة جغرافية- سياسية هو وهم استراتيجى.

• • •

الدرس الرابع هو الطاقة ودورها الحاسم فى الاقتصاد العالمى. برغم الحديث عن الاقتصاد الرقمى والذكاء الاصطناعى والثورة التكنولوجية، ما تزال الطاقة هى العصب الحقيقى للنظام الدولى. النفط والغاز ليسا مجرد سلعتين اقتصاديتين، بل هما أدوات سيادة ونفوذ وتوازن ردع.

الحرب أعادت تذكير العالم بهذه الحقيقة. مجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أقلق العالم كله. الأسواق المالية تعانى من حساسية شديدة إزاء احتمالات اضطراب تدفق النفط والغاز. من يملك الطاقة لا يملك الثروة فقط، بل يملك جزءًا من القرار الدولى. لهذا لم تكن الحروب الكبرى فى الشرق الأوسط بعيدة يومًا عن سؤال الطاقة.

الطاقة أيضًا تعيد تعريف التحالفات. قد تتغير الصداقات والعداوات عندما يتغير مسار أنبوب غاز، أو عندما يظهر حقل جديد، أو يولد مرفأ جديد. السياسة تُفهم من خلال خرائط الأنابيب والموانئ والمضائق البحرية. وكل حرب تُعيد كتابة المعانى نفسها: معنى الدولة، والردع، والنصر، وحدود القدرة البشرية على فرض الإرادة بالقوة.

• • •

فى المحصلة، الحرب الإيرانية لم تعلمنا شيئًا جديدًا، لكنها أعادت تثبيت حقائق حاول العالم تجاهلها. القوة وحدها لا تكفى إذا لم تنتج سياسة. التاريخ ليس مادة أرشيفية، بل عقل القرار نفسه. الجغرافيا ليست خلفية للمشهد، بل هى البطل والديكتاتور والطاغية والقاضى الذى يكون حكمه مبرمًا غير قابل للطعن والاستئناف. والطاقة ما تزال المحرك العميق للاقتصاد العالمى وللصراعات الدولية.

ما جرى ويجرى فى منطقة الخليج العربى لم يكن مجرد مواجهة بين جيوش، بل اختبارًا عميقًا لطريقة، لا بل لعقلية، إدارة الإقليم، ومن خلاله العالم نفسه. مثلما عادت الطاقة لتفرض حضورها كعنصر حاسم لا يمكن تجاوزه، برغم كل التقليل الأمريكى من شأنها. من هنا، تبدو هذه الحرب كمرآة كاشفة، لا لحجم القوى فقط، بل لحدودها أيضًا.

هذه الحرب لا تكتب فصلًا ختاميًا فى سجل صراع عمره نصف قرن بقدر ما تفتح فصلًا أطول وأكثر تعقيدًا فى تاريخ المنطقة والعالم؛ فكل ما جرى ويجرى يؤكد أن من يراهن على القوة وحدها، يخاطر بأن يتحول انتصاره إلى عبء، وأن من يتجاهل التاريخ، يعيد إنتاج أزماته بأشكال أكثر قسوة، وأن من يحاول القفز فوق الجغرافيا، يسقط عند أول اختبار واقعى. أما الطاقة، فستبقى، مهما تغيّرت العناوين، الخيط الخفى الذى يشدّ خريطة العالم إلى توازناته الدقيقة. لهذا، فإن السؤال الذى يجب أن يبقى حاضرًا ليس من انتصر فى هذه الجولة أو من هو الأقوى، بل من تعلّم كيف يُحوّل القوة إلى سياسة، والواقع إلى توازن، والصراع إلى معادلة قابلة للاستمرار. هناك فقط، تبدأ الدول بكتابة تاريخها، بدلًا من أن تظل أسيرة له.

 

كاتب سعودى

 

طارق فريد زيدان كاتب سعودي
التعليقات