روسيا.. فرصة الموقع الثابت وخطر الخرائط المتحولة - طارق فريد زيدان - بوابة الشروق
السبت 7 فبراير 2026 6:52 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

روسيا.. فرصة الموقع الثابت وخطر الخرائط المتحولة

نشر فى : السبت 7 فبراير 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : السبت 7 فبراير 2026 - 5:50 م

سؤال يتردد بكثافة فى وسائل الإعلام وغرف التحليل الغربية. هذا السؤال لا يبحث عن إجابة مباشرة. بل عن فهم لطبيعة العقل الاستراتيجى الروسى؛ حيث لا تتحرك موسكو لمجرد وجود ظلم أو بدافع ردود الفعل السريعة. بل تدخل فقط عندما يصير التدخل جزءًا من معركة أوسع تتعلق بإعادة رسم التوازنات الدولية وليس فقط لإطفاء حريق هنا أو هناك. فالمسرح الشرق أوسطى بالنسبة لروسيا ليس منفصلًا. هو فصل من فصول الصراع على النظام الدولى نفسه. من هذه الزاوية، يُطرح سؤال متى تتدخل روسيا؟ سؤال أدق وأخطر: متى ترى موسكو أن غيابها بات يُهدّد موقعها فى الخريطة الكبرى للعالم؟


خلال خمس سنوات بعد الحرب العالمية الثانية صعد الاتحاد السوفييتى إلى قمة النظام الدولى. يومها جلس ستالين فى اجتماع يالطا ليقسم العالم إلى مناطق نفوذ على أساس منطق القوة والقدرة على فرض الوقائع. فى ذلك الوقت كانت أوروبا الشرقية وأوراسيا والبلقان ضمن دائرة النفوذ السوفييتى. مما وفر العمق الأمنى والسياسى وطمأن القيادة الروسية.


• • •
اليوم، تغيرت الصورة جذريًا. الخرائط ذاتها التى كانت تبعث الطمأنينة أصبحت مصدر قلق. النار تنهش الخريطة الأمنية والسياسية لروسيا. إذ تدار الحرب فى قلب العمق الاستراتيجى الروسى فى أوكرانيا. ويقترب حلف الناتو تدريجيًا من المجال الحيوى الروسى. فى العقل الأمنى الروسى هذه ليست خريطة هجوم. هذه خريطة حصار. لا يمكن لأى حاكم فى الكرملين أن يجلس مرتاحًا أمام خريطة كهذه. ولهذا يصر بوتين فى خطاباته على أن ما تقوم به روسيا هو دفاع عن الوجود، وليس توسعًا إمبراطوريًا تقليديًا.


بحكم الجغرافيا، لا تنتمى روسيا بالكامل إلى أوروبا. كما أنها ليست آسيوية بحتة. هذا الامتداد الشاسع للأرض الروسية فرض على قادة روسيا عبر التاريخ تبنى عقلية أمنية تجمع بين الهجوم والدفاع فى آنٍ واحد. كل توسع روسى يُبرَّر باعتباره إجراءً دفاعيًا يهدف إلى حماية الأمن القومى. وكل عمل دفاعى يتطلب توسعًا استباقيًا نحو المناطق المحيطة لدرء المخاطر قبل اقترابها من القلب الروسى. من هنا، يصبح من المتعذر فهم السياسة الروسية دون إدراك الهاجس الجغرافى الذى يشكل أساس القرار الاستراتيجى.


هذه العلاقة الجدلية بين القوة والموقع الجغرافى ما تزال تهيمن على قرار روسيا ووجهتها المستقبلية، مثلما كانت حاضرة بقوة فى عقول القادة الروس عبر العصور. فقد حكمت هذه الجدلية تفكير بطرس الأكبر حين قرر الانفتاح على أوروبا وفتح نوافذ جديدة للتواصل والقوة. كما ظهرت بوضوح فى سياسات ستالين بعد الحرب العالمية الثانية عندما أعاد رسم حدود النفوذ السوفييتى. وتستمر اليوم فى توجهات بوتين الذى يسعى للحفاظ على ما تبقى من المجال الحيوى الروسى عقب تفكك الاتحاد السوفييتى

.
الأكيد أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين يقلب الخرائط على مكتبه فى الكرملين بعد سقوط النظام فى سوريا وحرب الاثنى عشر يومًا بين إسرائيل وإيران. هذه الخرائط ليست مجرد أوراق ملوّنة تحدد حدود الدول، بل هى اختزال كثيف للتاريخ والدم والقلق الممزوج بطموحات القوة، بالإضافة إلى حدود الممكن لهذه القوة فى ظل نظام دولى مضطرب. يدرك بوتين، أكثر من أى وقت مضى، أن السنوات القادمة ستكون حاسمة لمستقبل روسيا، ليس فقط بصفتها دولة كبرى، بل باعتبارها فكرة عن القوة واستمراريتها، والأهم من ذلك مكانتها فى عالم لا يعترف عادة بالفراغات.


يزداد المشهد تعقيدًا بسبب عدم استقرار النظام الدولى نفسه. فالولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على فرض النظام، وأوروبا تعانى من شيخوخة سياسية واستراتيجية. بينما تصعد قوى أخرى كالصين والهند ضمن معادلات مختلفة. فى ظل هذا الفراغ النسبى ترى موسكو فرصة وخطرًا فى آنٍ واحد: فرصةٌ لإعادة تثبيت موقعها، وخطرٌ من أن يُعاد تشكيل العالم من دونها. بوتين لا ينظر فقط إلى أوكرانيا. بل يراقب القوقاز وآسيا الوسطى والقطب الشمالى والشرق الأوسط. فكل ساحة من هذه الساحات تُشكّل جزءًا من لوحة واحدة. وخسارة الموقع فى إحدى هذه الساحات تعنى تراجعًا فى موقع آخر.


• • •
من هنا، تتحرك روسيا خارج حدودها بعقلية أوراسية قلقة تختلف عن العقل الأطلسى المغامر. تتبنى سياسة القضم لمنع التآكل البطىء لنفوذها. بعكس العقل الأمريكى الذى يعتمد سياسة النفوذ تحت نار المدفع والبندقية. تتحرك روسيا وفق الأولويات وليس بحسب وضع الحلفاء. ويُذكر أن الدخول الروسى إلى سوريا جاء بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب فيها وعليها.. وها هى تُصرُ على صياغة تفاهمات وآليات مع السلطة السورية الجديدة من أجل ضمان استمرار حضور أساطيلها فى المياه المتوسطية الدافئة.


روسيا اليوم قوة عظمى بمستقبل قلق، إذ تُلازمها لعنة الجدلية الأوراسية. جدلية تجعل القلق سمة ملازمة لكل قوة تدرك هشاشة التوازن الدولى. الحاكم فى موسكو، أيًا كان اسمه أو زمنه، مجبول على عقلية لا تهدأ قبل تأمين العمق الاستراتيجى. فالتوازن بين القوى ليس خيارًا فى العقيدة الروسية، بل هو جوهر التفكير السياسى والعسكرى منذ قرون. من هذا المنطلق، يمكن فهم كيف ترى روسيا نفسها فى موقع الدفاع حتى وهى تخوض حربًا مفتوحة خارج حدودها الرسمية. هذا التناقض الظاهرى يبدو منطقيًا ومتسقًا مع تاريخ طويل من الغزوات القادمة من الغرب، من نابليون إلى هتلر وصولًا إلى التمدد الأطلسى المعاصر.


أساس القلق الروسى ليس آنيًا، بل تاريخيا. فهو قلق دولة تعرف أن الانكماش فى لحظة ضعف قد يتحول إلى انهيار طويل الأمد. لذلك يظهر بوتين فى نظر كثيرين مهووسًا بالخرائط. فى الحقيقة هو مهووس بالعلاقة بين التاريخ والجغرافيا. وبالدروس القاسية التى تعلمتها روسيا عندما تجاهلت إشارات الخطر. فى النهاية لا يمكن قراءة السياسة الروسية المعاصرة خارج هذا الإطار: دولة كبرى تحاول إعادة تعريف أمنها فى عالم يتغير بسرعة، وتواجه تمددًا ترى فيه تهديدًا وجوديًا لا مجرد منافسة سياسية.


قد يختلف كثيرون مع خيارات موسكو أو ينتقدون أدواتها، لكن تجاهل ميكانيزماتها الداخلية هو خطأ تحليلى مضلل للرؤية. تقف روسيا اليوم بين ذاكرة القوة ومخاوف المستقبل. ولن تكون السنوات الثلاث المتبقية لإدارة دونالد ترامب فى البيت الأبيض مجرد فترة حكم أو زمن فى الصراع الدولى، بل مرحلة اختبار حقيقى لمكانة روسيا فى نظام دولى يعاد رسمه خريطةً بعد خريطة. إنها لحظة تاريخية فارقة فى العقل الروسى.


روسيا دفعت عشرات الملايين من القتلى وأضعافهم من الجرحى والمعوقين ودمارا لمدن فى الحربين الأولى والثانية، فكان هذا سمة ولّادة نظام دولى بركيزتين اثنتين. اليوم تدفع روسيا ثمن الانكفاء بالقتال على أرضها لجعلها دولة لا يتعدى نفوذها إقليمها الحيوى. يسقط لروسيا فى هذه الحرب عشرات الآلاف من القتلى.. وفى النهاية، يُطل سيد البيت الأبيض ليفرض مجلس سلام دولى، يريد لروسيا أن تكون ممثلة فيه مثل أى دولة من دول العالم الثالث أو العاشر.


كاتب سعودى

طارق فريد زيدان كاتب سعودي
التعليقات