حربٌ تنتهى سياسيًا قبل أن تتوقف عسكريًا.. ملامح نظام إقليمى جديد - طارق فريد زيدان - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2026 2:39 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

حربٌ تنتهى سياسيًا قبل أن تتوقف عسكريًا.. ملامح نظام إقليمى جديد

نشر فى : الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:56 م

الحرب العسكرية الدائرة اليوم فى منطقة الخليج انتهت، ولو لم يُعلن وقف النار رسميًا، انتهت بمعناها السياسى والاستراتيجى. العجز عن الحسم العسكرى (لا إيران قادرة على هزيمة أمريكا وإسرائيل، ولا يبدو حتى الآن أن الأخيرتين قادرتان على إسقاط النظام الإيرانى وهزيمته) يُحيلنا إلى الأبعاد الاستراتيجية التى ستتشكل بعد توقف المواجهة المباشرة.
التاريخ العسكرى والسياسى ملىء بأمثلة حروب حُسمت نتائجها السياسية أو الاستراتيجية مبكرًا، لكن القتال استمر لفترة طويلة قبل وقف إطلاق النار. ويُبرر مرجع خليجى عربى مختص هذه الظاهرة بالقول إن ذلك غالبًا بسبب بطء القرار السياسى، أو صعوبة التواصل، أو رغبة الأطراف فى تحسين شروط التفاوض (قضايا حدودية أو أسرى… إلخ)، ويعطى أمثلة كثيرة على ذلك من الحربين العالميتين الأولى والثانية إلى حرب الخليج الأولى والثانية، ولعل أبرز الأمثلة حرب «العدوان الثلاثى» عام 1956م التى شنّتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر.
• • •
انطلقت من هذه الفكرة للقول إن متابعة سير المعارك لم يعد مجديًا لنا. علينا رصد ماهية نهاية الحرب؛ إما أن يُقرّر الأمريكيون والإسرائيليون وقفًا للنار من جانب واحد، أى بلا اتفاق مع الإيرانيين على قاعدة أن حملتهم العسكرية قد حققت أهدافها كاملة، وإما أن يذهبوا إلى وقف للنار بموجب اتفاق أو تسوية. فى الحالة الثانية، وهى المرجحة، لن تكون التسوية مجرد وقف لإطلاق النار، وفى الوقت نفسه، لن يقول المتحاربون إنهم أرسوا خريطة سياسية وأمنية جديدة للشرق الأوسط. هذه الخريطة هى نتيجة للحرب ولا تُرسم على طاولة المفاوضات أو فى الأروقة الدبلوماسية، بل تُرسم بالصواريخ والقنابل والمسيّرات والأنظمة الدفاعية والتوازنات الردعية. بمعنى آخر، السلاح فى هذه المرحلة لم يعد أداة للحسم، بل أصبح وسيلة لرسم خطوط التفاوض.
ويشى تاريخ الحروب أنه عندما تصل الأطراف إلى توازن ردع نسبى، يُصبح السلاح ورقة تفاوض، وعندها تتحول القوة العسكرية إلى عملة سياسية. وهذا ما قد نشهده الآن. الركيزة الأولى فى هذه المعادلة هى القوة الصاروخية الإيرانية. خلال السنوات الماضية، عملت طهران بشكل منهجى على تطوير هذه القدرة. لم يكن الهدف فقط الردع العسكرى، بل خلق توازنا استراتيجيا يجعل أى حرب شاملة مكلفة جدًا لخصومها. اليوم، وبعد أن أثبتت هذه القوة قدرتها على الصمود فى حربين متتاليتين، يُصبح السؤال: ما هى المكاسب السياسية والاقتصادية التى تريدها طهران بما يُثبّت مكانتها مقابل ذلك؟
هنا يبرز سيناريوان محتملان للتسوية:
الأول: يتجسد فى رسم خريطة أمنية جديدة للشرق الأوسط، بحيث تؤخذ القوة الإيرانية بالاعتبار عند وضع الترتيبات الأمنية. هذا يعنى أن أى اتفاق أو تفاهم مستقبلى سيكون مبنيًا على اعتراف الأطراف الأخرى بقدرة إيران على التأثير فى موازين القوى.
الثانى: يتمثل فى صياغة تسوية مرحلية تدريجية تبدأ برفع العقوبات الاقتصادية بشكل متدرج مقابل التزام إيران بترتيبات أمنية وعسكرية محددة. هذه التسوية تتيح لكل طرف اختبار جدية الآخر، وتفتح الباب أمام بناء مناخ من الثقة بين القوى الإقليمية.
فى الحالتين، يبقى عنصر التفاهمات الإقليمية ضروريًا لإعادة تنظيم العلاقة بين إيران ودول الخليج بما يضمن الاستقرار ويمنع عودة التصعيد. فالتسويات الكبرى لا تتحقق إلا بتوافق جماعى يعيد توزيع الأدوار ويحدد مسارات التعاون أو التنافس مستقبلًا.
لكن ماذا يضمن أن التسوية فى الخليج ستنعكس بالضرورة على مسار الحرب الواقعة بين حزب الله وإسرائيل؟ معظم التصريحات الأمريكية والإسرائيلية تشى بأن أية تسوية فى الخليج لن تنسحب تلقائيًا على لبنان، بل ثمة قرار أمريكى إسرائيلى بخوض معركة نزع سلاح حزب الله حتى النهاية ومهما كان الثمن مكلفًا، بما فى ذلك للبنان وسلمه واستقراره الأهلى.
• • •
هذا الواقع يعنى أن أى وقف لإطلاق النار سيكون هشًا، فالتجارب السابقة أثبتت أن وقف النار فى ساحة واحدة يصبح هشًا إذا بقيت الساحات الأخرى مشتعلة. لذلك يبدو واضحًا أن التسوية المقبلة، إن حدثت، يجب أن تشمل معظم جبهات الشرق الأوسط فى آنٍ واحد، بمعنى أن المنطقة قد تشهد وقفًا واسعًا لإطلاق النار يمتد من غزة إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن.
وعندما يصل الصراع إلى هكذا نقطة، تبدأ ما يمكن تسميتها مرحلة تحويل القوة إلى مكاسب سياسية، وهذا يعنى أن الأطراف ستبدأ فى اختبار إمكانيات التسويات. لكن المشكلة أن التسويات فى الشرق الأوسط نادرًا ما تكون بسيطة. كل اتفاق فى مكان يفتح تناقضات فى أماكن أخرى. المنطقة تشبه شبكة معقدة من التوازنات الهشة، فإذا تحرك خيط واحد تتحرك الخيوط كلها. لهذا السبب، فإن الثمن السياسى الذى قد يُدفع مقابل القوة الصاروخية الإيرانية والقوة البرية لمحورها فى جنوب لبنان لن يبقى محصورًا فى ساحة واحدة، بل سينعكس على عدة ملفات فى المنطقة، إلا إذا أرادت القوى المقررة ترك بعض البؤر على شكل حروب أهلية، أو صراعات مذهبية، أو نزاعات داخلية طويلة الأمد، وظيفتها تنفيس الاحتقانات، وهذا ليس أمرًا جديدًا فى تاريخ الشرق الأوسط، حيث غالبًا ما تتحول بعض الدول إلى ساحات صراع بالوكالة عندما تتجه القوى الكبرى نحو التسويات فى أماكن أخرى.
لكن إذا كان هناك اتفاق شامل، فإن انعكاساته ستظهر فى ساحات عديدة: حكومات العراق ولبنان الآتية، ودولة بلاد الشام. والمقصود هنا ليس بالضرورة دولة جديدة، بل إعادة تعريف موقع ودور الدولة السورية وحدود نفوذ القوى المختلفة عليها وفيها. القضية الكردية تبقى واحدة من أكثر الملفات حساسية؛ أى تغيير فى التوازنات الإقليمية قد يعيد طرحها بقوة. كيفية التعامل مع فلول «داعش»، وكيفية تنفيس التوترات الطائفية بوصفها أحد أخطر أدوات تفجير المنطقة، وإذا لم يتم احتواء التناقضات فقد يعود هذا العامل إلى الواجهة.
• • •
كل هذا التحليل يفترض شيئًا واحدًا: عدم حدوث مفاجآت كبرى، لكن السياسة الدولية نادرًا ما تسير وفق السيناريوهات المتوقعة. المفاجأة قد تأتى من عدة أماكن، قد تأتى من أوكرانيا، إذا حدث تحول كبير فى مسار الحرب هناك، فهذه الحرب أصبحت جزءًا من توازن عالمى أكبر بين روسيا والغرب. وقد تأتى من إيران نفسها، سواء عبر تصعيد غير متوقع أو عبر قرار استراتيجى كبير، أو قد تأتى من مكان آخر تمامًا، لأن الشرق الأوسط يضج تاريخيًا بالمفاجآت.
إذا انتقلت المنطقة من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التوازنات المدارة، فقد يشهد الشرق الأوسط مرحلة أكثر استقرارًا خلال العقود المقبلة. أما إذا فشلت هذه العملية، فقد تعود المنطقة سريعًا إلى دوامة الصراعات التى لم تخرج منها منذ أكثر من عقدين. المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة تقوم على الاعتراف بالواقع الجغرافى والسياسى للمنطقة، وعلى بناء توازنات واقعية بدلًا من الرهان على تغييرات جذرية سريعة. فالقوة الحقيقية فى السياسة الإقليمية لا تأتى فقط من الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية، بل تأتى من القدرة على فهم طبيعة النظام الإقليمى المتشكل والتعامل معه بمرونة وواقعية.
فى الختام، نحن أمام مرحلة لن يكون فيها السلاح وحده العامل الحاسم. القدرة على تحويل القوة إلى سياسة هى كلمة السر للمرحلة الجديدة. وفى انتظار ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: ما هو الثمن الذى ستدفعه المنطقة مقابل هذا التوازن الجديد؟


كاتب سعودى

طارق فريد زيدان كاتب سعودي
التعليقات