مصر من إسقاط النظام إلى تفكيك الدولة العميقة - هشام جعفر - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 1:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


مصر من إسقاط النظام إلى تفكيك الدولة العميقة

نشر فى : السبت 31 ديسمبر 2011 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 31 ديسمبر 2011 - 8:00 ص

يحسن التمييز بين النظام القديم والدولة العميقة؛ حيث يقصد بالأول المؤسسات والأشخاص المرتبطة بالنظام القديم وكانوا أحد أركانه أو رؤسائه وأدواته للسيطرة والاستبداد والاستغلال، ويسقط النظام بمجرد التخلص من هؤلاء الأشخاص أو إلغاء هذه المؤسسات.

 

أما الدولة العميقة فهى بنية خفية وممتدة تاريخيا تسبق النظام القديم فى أحيان وتسعى لاستمرار الأوضاع القائمة لأنها تعبير عن شبكة مصالح راسخة فى الداخل والخارج.

 

 

الدولة العميقة مركب من المصالح والتصورات والإدراكات التى تتحرك على بنية عميقة من أجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها، وشبكة من النخب الثقافية والإعلامية، وطبقة من رجال الأعمال (عيال الدولة)، وتحالف اجتماعى عميق مع طبقات اجتماعية أو شرائح فيها وخاصة بيروقراطية الدولة وأجهزة الحكم المحلى، ويمتد هذا المركب إلى قطاع من المجتمع المدنى، وهذا المركب له امتداداته الإقليمية والدولية.

 

مكونات الدولة العميقة

 

1 - الإدراكات والتصورات المشتركة:

 

فهى أهم الروابط التى تجمع بينهم وتوجههم وتوحدهم على أهدافهم، كما أنها معيار الضم والتجنيد، وتسهل التواصل مع من خارجهم، فهى الأيدلوجيا التى يتم إشاعتها ونشرها فى المجتمع، وهى بالطبع تتم عبر التراكم التاريخى مما يسهل توريثها. هذه التفاهمات تمثل أرضية خصبة لبناء تحالفات على خلفيتها.

 

فطول العهد بالسلطة دون محاسبة أو سؤال يؤدى إلى مستوى آخر من الإدراك وهو الإحساس بالمسئولية الناتج عن الملكية الذى يخرج فى صورة: «نحن بناة الوطن وحماته»، وأن هذه مسئوليتنا التى أوكلها الله لنا، ولا يجب أن نفرط فيها، هنا يصبح إدراك الآخر بأنه خصم يجب منازلته من أجل المهمة المقدسة التى هى الدفاع عن الوطن.

 

فى هذا الصدد يمكن الإشارة إلى مقولات من قبيل:

 

*أن الليبراليين والعلمانيين امتداد للخارج ويسهلون احتراق الوطن، وأن الإسلاميين ظلاميون ورجعيون سيلقون بالوطن إلى التهلكة.

 

*احتقار دفين لجموع الشعب المصرى (قلة وعى ــ غير مؤهل للديمقراطية ــ السكان عبء...).

 

* مصالح مصر العليا لا تتحقق إلا تحت المظلة الاستراتيجية الأمريكية والسلام مع إسرائيل.

 

* فصل تام بين تصوراتهم الدينية وسلوكهم المدنى.

 

*ازدراء وخفة إزاء كل ما هو مدنى فى مقابل العسكرى.

 

2 - التحالفات الاجتماعية:

 

وهنا يمكن أن نتحدث عن تحالفات البيروقراطية العسكرية والمدنية مع طبقة أو شريحة من رجال الأعمال متداخلة مع كبار رموز التنظيم السياسى القائم (حزب وطنى أو اتحاد اشتراكى)، وشريحة من النخب الثقافية والإعلامية، وقد تم تدعيم هذه التحالفات بعلاقات نسب ومصاهرة وشراكات تجارية واسعة.

 

وقد مثلت هذه التحالفات طبقة وسيطة بين النظام وعموم الناس من جهة كونها وسيطا لتنفيذ السياسات والترويج للمقولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وعمادا لتأييد النظام وتحقيق شرعيته.

 

من طيب الأقدار أن نمط التحالفات القائم الآن ضيق جدا: (300 من رجال الأعمال ــ شريحة محدودة العدد من البيروقراطية المدنية والعسكرية التى توجد فجوة كبيرة فى الدخول بينها وبين من دونها، وبالمناسبة فإن ما أطلق عليه المظاهرات الفئوية (أنا ضد هذا المصطلح تماما) محاولة للاحتجاج على نمط التحالفات الاجتماعية القائم، خاصة أن هذا النمط قد أضير منه فئات اجتماعية متسعة: الطبقة الوسطى ــ العمال وخاصة فى القطاع العام والفلاحون وكذا الرأسمالية الوطنية المنتجة ورجال الأعمال المتوسطون والصغار.

 

وقد استند هذا التحالف إلى اقتصاد ريعى أشاع أنماطا ثقافية تعلى من قيمة الاستهلاك، وتجعل معيار المكانة الاجتماعية ما يملك المرء من ثروة، وأهدرت فيه قيمة العمل المنتج.

 

3 - أدوات صناعة المعانى وهى هنا التعليم والإعلام والخطاب الدينى:

 

وهى مكونات بالغة الأهمية ليس من جهة قدرتها على بناء وإشاعة تصورات وإدراكات فى المجتمع تخدم وترسخ لبنى الدولة العميقة فقط، ولكن الدولة العميقة استطاعت أن تبنى تحالفات عميقة مع الأطراف والقوى الأساسية المهيمنة فى هذه المجالات.

 

التعليم، وخاصة جانبه الحكومى، يكرس نمط التحالفات الاجتماعية القائم على تقديم يد عاملة رخيصة لأسياد هذا البلد، ويشبع به التصورات والادراكات التى تتحرك عليها الدولة العميقة فى وسط جموع الشعب.

 

أما الإعلام، فقد تحول فى جزء كبير منه إلى لوبى تتناغم فيه مصالح مجموعة من الإعلاميين مع طموحات التحالف الاجتماعى المسيطر، وفى القلب منه رجال الأعمال، ويخدم شبكة ممتدة من المصالح الإقليمية والدولية.

 

فى الخطاب الدينى، حدث ولا حرج عن التحالف مع المؤسسات والرموز الدينية فى إنتاج خطاب يتغذى على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ويغذيها بأنماط للتدين شكلانية مظهرية، شديدة المحافظة حيث تفتقد للتجديد المحفز للنهضة.

 

بتنا إزاء خطابات مأزومة؛ يستهلكها واقع مأزوم؛ يعاد إنتاجه من جديد فى دائرة جهنمية.

 

4 - القوى الإقليمية والدولية:

 

وهى هنا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى ودول الخليج بالإضافة إلى إسرائيل.

 

هذه القوى جميعا تعبير عن شبكات مصالح قد تتقاطع فى أحيان كثيرة، وتشيع تصورات وإدراكات لأنها حاضرة بكثرة فى أدوات صناعة المعانى وخاصة الإعلام، كما تنشئ نمط تحالفات اجتماعية تغذيها بالهجرة إليها (الهجرة إلى النفط)، أو بالمعونات التى تدفعها، أو أولويات الاستثمارات التى تقرها.

هشام جعفر  كاتب وباحث ورئيس مجلس امناء مؤسسة مدي
التعليقات