أفاد تقرير جديد نشرته منظمة "بن أمريكا" المعنية بالدفاع عن حرية التعبير، بأن المكتبات العامة في الولايات المتحدة باتت "على شفا الانهيار"، في ظل موجة متصاعدة من التدخل السياسي، والمضايقات، والرقابة الأيديولوجية.
وتناول التقرير، الذي حمل عنوان "خارج التداول: اتساع نطاق الرقابة في المكتبات العامة"، ظواهر حظر الكتب، وإلغاء ساعات قراءة القصص، والهجمات على أمناء المكتبات، وخفض التمويل، وتقويض استقلالية إدارة المكتبات.
المكتبات العامة تقترب من نقطة الانهيار
وورد عبر التقرير، الذي أعده مشروع "الحق في القراءة" التابع للمنظمة: "يمكن للمكتبات العامة أن تكون مؤسسة ديمقراطية راسخة فقط إذا كانت قادرة على مخاطبة الجميع، وإذا أمكن لأمناء المكتبات اتخاذ قراراتهم بشأن اختيار الكتب والمحتوى بعيدا عن الضغوط أو القيود الحزبية".
وأضاف: "لكن الضغوط السياسية والشعبية المستمرة تتحدى هذه المبادئ ذاتها، فيما تقترب المكتبات العامة في مختلف أنحاء البلاد من نقطة الانهيار"، نقلا عن صحيفة "الجارديان".
ووثق التقرير، الممتد عبر 16 صفحة، عشرات الوقائع والحوادث في أنحاء الولايات المتحدة دعما لهذه المخاوف، من بينها اعتداءات لفظية وجسدية على أمناء المكتبات، والاستهداف غير المتناسب للأدبيات التي تتناول أفراد مجتمع الميم، وتزايد حظر الكتب التي تتناول الهوية الجندرية والجنسية، إلى جانب حالات تعيين مسئولين سياسيين لتجاوز سياسات مجالس المكتبات المنتخبة ديمقراطيا.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، بحسب التقرير، تعيين الناشطة المحافظة ولاعبة السباحة الجامعية السابقة، رايلي جاينز، العام الماضي، عضوا في مجلس مكتبة بمقاطعة سمتر في ولاية تينيسي، حيث صوَت المجلس مرارا ضد مقترح تقدمت به رئيسته يقضي بإزالة مواد اعتبرتها "غير ملائمة أو ذات محتوى جنسي صريح"، بما في ذلك أي مواد تتضمن موضوعات عن المتحولين جنسيا.
وسارعت جاينز، المعروفة بمواقفها المناهضة للمتحولين جنسيا وتبنيها مواقف يمينية في قضايا أخرى، من بينها تأييد حملة الرئيس دونالد ترامب المشددة، والتي اتسمت في بعض الأحيان بالعنف ضد الهجرة، إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لوصف هذه الكتب بأنها "قذارة"، وهاجمت زملاءها الجدد متهمة إياهم بتجاهل قانون ولاية تينيسي الذي يحظر استخدام أموال الولاية لتمويل ما وصفته بـ "أيديولوجيا النوع الاجتماعي اليسارية".
وأشار التقرير إلى قانون أقرته ولاية أيداهو في مارس الماضي، ويسمح للمجالس البلدية بتعيين مديري المكتبات وإقالتهم، بعد أن كانت هذه الصلاحية منوطة بمجالس مكتبات مُعينة، كما أشار إلى جهود في ولاية ألاباما كانت ستسمح للحكومات المحلية بإقالة أعضاء مجالس المكتبات في أي وقت ومن دون إبداء أسباب.
الهجمات على العروض الترفيهية
ومن الاتجاهات الأخرى التي سلط تقرير "بن أمريكا" الضوء عليها، الهجمات على عروض "دراج" - وهي عروض ترفيهية يؤديها أشخاص، غالبا رجال، بملابس ومظهر نسائي مبالغ فيه بمكياج وشخصيات استعراضية - التي استضافتها المكتبات العامة أو روجت لها، ووثق التقرير تهديدات بوجود قنابل، واحتجاجات، واعتداء جسديا على أحد أمناء المكتبات، ما أدى إلى إلغاء فعاليات أو ساعات لقراءة القصص في مكتبات بولايات نيويورك وماساتشوستس ونيفادا.
وقالت المنظمة إنها وثقت كذلك ما يقرب من 23 ألف حالة لحظر كتب في مكتبات المدارس منذ عام 2021، مشيرة إلى أن الظاهرة اتسعت إلى حد أن 51% من جميع محاولات حظر الكتب في أنحاء الولايات المتحدة، التي وثقتها جمعية المكتبات الأمريكية، وقعت في المكتبات العامة.
ومن بين المواد التي تعرضت للحظر، في قرار ألغته لاحقا محكمة استئناف في تكساس، كتب تُعرف باسم كتب "المؤخرة والغازات"، اعترض عليها بعض الآباء بسبب ما تتضمنه من رسوم أو أوصاف لجسم الإنسان، وفي إحدى الحالات، وصف لمرحلة البلوغ.
وعلى الرغم من حكم المحكمة بأن المدارس والمكتبات العامة لا يمكنها حظر الكتب لمجرد اختلافها مع مضمونها، أُقيلت رئيسة أحد فروع المكتبة في مقاطعة لانو، سوزيت بيكر، بعدما رفضت إزالة كتب مدرجة في قائمة سلمها إليها رئيسها، فاتهمت بالعصيان.
وقالت مديرة مشروع "الحق في القراءة" في "بن أمريكا"، كايسي ميهان، إن جهود الرقابة هذه تعكس اتجاها متناميا تدفعه اعتبارات سياسية للسيطرة على ما هو متاح للقراء، وعلى الأفكار التي يُسمح بتمثيلها، وأضافت: "لطالما كانت المكتبات المحلية في أنحاء البلاد ملاذات آمنة لحرية القراءة، وللعثور على المتعة والراحة في الكتب".
وتابعت: "لكنها تتحول بصورة متزايدة إلى ساحات للمعركة حول الرقابة، وعندما تصبح المكتبات أهدافا، تعاني المجتمعات. وتمتد التداعيات إلى المؤلفين الذين تُرفع كتبهم من على الأرفف، وإلى القراء الذين يُحرمون من الوصول إلى القصص والمعلومات".
وقالت "بن أمريكا" إنها تابعت كيف تطورت على مدى السنوات الخمس الماضية حركة تهدف إلى فرض الرقابة على طيف واسع من الأدبيات في المدارس العامة، لاسيما القصص التي تضم شخصيات من مجتمع الميم وشخصيات من ذوي البشرة الملونة، لتتحول من هجمات منسقة تقودها جماعات مثل "أمهات من أجل الحرية" إلى تشريعات على مستوى الولايات والحكومة الفيدرالية تقيد الحق في القراءة.
وقالت كبيرة مديري مشروع "الحق في القراءة"، فيلومينا بوليفروني: "إن الحجج نفسها التي أشعلت الرقابة في المدارس تعمل الآن أيضا على تقويض المكتبات العامة، وهذه الهجمات تحرم مستخدمي المكتبات من خدمات عامة حيوية، ومن الوصول إلى الكتب، ومن الشعور بأن لهم مكانا في مجتمعاتهم".
وأضافت: "لكن في كل مرة نرى فيها جهودا لزعزعة استقرار هذه المؤسسات العامة الحيوية، نرى أيضا مجتمعات تنظم صفوفها للدفاع عن حقها في القراءة، وتقف إلى جانب أمناء المكتبات العامة، وتقاوم تهديدات التمويل التي يطلقها صُناع القرار المدفوعون بدوافع سياسية".
وظهرت مؤشرات على رد فعل مضاد لهذه التحركات خلال الانتخابات التمهيدية في ولاية فلوريدا هذا الشهر، عندما خسر عدد من المرشحين المدعومين من جماعة "أمهات من أجل الحرية" مقاعدهم أو فشلوا في الفوز بسباقاتهم الانتخابية، كما فقدت الجماعة المحافظة أغلبيتها في مجلس إدارة مدارس مقاطعة ساراسوتا.