هشام أصلان يكتب: عمرو دياب.. اليوم والأمس وبُكرة - بوابة الشروق
الإثنين 9 فبراير 2026 8:25 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

هشام أصلان يكتب: عمرو دياب.. اليوم والأمس وبُكرة


نشر في: الجمعة 5 يناير 2024 - 8:38 م | آخر تحديث: السبت 6 يناير 2024 - 12:19 ص

1
كان عمرو دياب يغني. قال أبي: "عايز تعرف الفرق بين جيلكم وجيلنا شوف الفرق بينه وبين عبد الحليم حافظ".
تذكرت كلام أبي بينما أتابع طوفان تلقي صدور ألبوم "مكانك". كنت أفكر أن حليم هو الوحيد الذي امتلك تركيبة فنية وشخصية تؤهل لصنع مشوار شبيه بمشوار عمرو لو عاش عمرا أطول. والكلام ليس عن معايير القيمة والذائقة فهي نسبية، ولكن عن فداحة التأثير على جميع المستويات، واستمرارية الاستحواذ على القمة عشرات السنين، يرى بعينيه موجات جمهوره في جيل تلو الآخر، وهي مسألة قال الزمن فيها كلمة فاصلة.
2
يظل صخب عمرو دياب وصدور ألبوم جديد له محببا إلى النفس، وعلى هامش صخبه الجديد، لفتتني إشارات كثير من المشاركين في هذا الصخب إلى أن عدد من أغاني الألبوم تأتي مداعبة ذائقة مستمعيه القدامى، أبناء جيلي، صبية الثمانينيات ومراهقي التسعينيات، حيث بعض الأغاني شبيهة بروح أغان تلك الفترة، وهي مقاربة تنتشر بين وقت وآخر، حيث رجال ونساء يبحثون في وجه الموسيقى الجديدة عما يشبه ملامح موسيقاهم، فرحين بالنقر على نوستالجيا أيامهم.
كثير ما نسمع عبارة: "بحب عمرو دياب القديم مش الجديد"، ولكن أي من مراحل مشواره تستطيع وصفها بالقديم؟ القديم بالنسبة لي أم بالنسبة للأصغر مني بجيل أو اثنين أو ثلاثة. كم نوستالجيا صنعها الرجل للمتلقي العربي؟ هذا فنان وضع مفاهيم جديدة لمعنى النوستالجيا. وضعها بإصراره على أن يظل ابن اللحظة الراهنة. يصنع الحنين لأولاد الأمس بينما هو جالس بجوار أولاد اليوم.
3
في 1991 أصدر عمرو دياب واحد من أجمل ألبوماته، وهو ألبوم "حبيبي"، وكانت أغانيه كلها تأليف الشاعرين مجدي النجار ومدحت العدل، وتلحين عمرو دياب باستثناء أغنية واحدة. ضم أغاني رائعة، ومن بينها صور عمرو دياب الأغنية التي عنون بها الألبوم.
يحكي حسام حسني، موزع الألبوم، في برنامج "الحلم" إن وقت صدوره كانت الآلات الموسيقية قد بدأت في التواري لصالح الاعتماد بالكامل على الأورج الحديث وإخراج كل أصوات الآلات منه، لكن عمرو دياب طلب من حسام حسني الاستعانة بعازف الساكسفون سمير سرور، الذي كان يعزف مع كبار قدامى المطربين، ذلك أنه أراد حالة كلاسيكية تشبه أجواء أغاني الأبيض والأسود، لدرجة أنه طلب من مدير التصوير والمخرج المعروف محسن أحمد، الذي بالمناسبة كانت هذه الأغنية أول إخراج له، أن يصورها بالأبيض والأسود.
وتحفظ حسام حسني على رأي عمرو دياب، وقال له: "يا عمرو حكاية الساكسفون دي بقت قديمة واحنا بنعمل مزيكا جديدة". ضحك عمرو وقال له: "بكرا تشوف بعد ما سمير سرور يعزف معانا هيبقى موضة وهيرجع يشتغل تاني".
عزف سمير سرور سولو الأغنية، وحدث بعدها أنه لم يعد فقط للساحة الغنائية كعازف، لكن كل من قضى مراهقته في التسعينيات سيتذكر جيدا ألبوم "عاشق الساكس" الذي صدرت منه خمسة أجزاء، ويعزف فيه سمير سرور موسيقى كل الأغاني القديمة التي شارك فيها كبار المطربين، وحققت هذه الأجزاء الخمس نجاحا ساحقا مدويا. لم يكن هناك مراهقا مصريا لا يستمع بشغف لموسيقى كبار الملحنين مثل بليغ حمدي وفريد الأطرش وكمال الطويل وغيرهم بعزف سمير سرور.
ما حدث في لقطة سمير سرور مع عمرو دياب ربما يصلح كإجابة بسيطة على سؤال: لماذا هو رقم واحد دائما؟ والأمثلة الشبيهة كثيرة ومتنوعة. وهو مثلما غامر في الاستعانة بفنان قديم وصنع له ما يشبه إعادة ولادة، يعرف متى يغامر بوجه جديد رأى فيه شيء لم يره آخرون.
هذا فنان، فضلا عن الموهبة والبصيرة والجدية الفريدة وقدرة الإمساك بشغف وإصرار البدايات، كان في زمن أسبق هو من يضع شروط النجاح للحظته الزمنية، وحين جاءت متغيرات الزمن بآليات جديدة تضع شروط اللحظة، ثقافيا وفنيا، وبات من المستحيل أن يضعها فرد مهما كان تأثيره، راح عمرو دياب يتراهن مع كل شروط جديدة تضعها ظروف اللحظة تلو الأخرى، وغالبا ما يكسب رهانه، فيما تقول قاعدة اللعب: الغالب مستمر.
4
يتحدث الجميع عن ذكائه في ترويج نفسه عبر كل هذه السنوات، وهذا تبسيط مُخل، لأن هناك، أيضا، فضيلة احترام اللحظة الراهنة وعدم التعالي عليها. عدم نسيان أنك جئت غريبًا على من سبقوك وصارعت حتى كرست ما تريد قوله، وأنه لا يصح أبدا أن تحتقر الآتين من بعدك أيا كان ما يقولونه. ذلك الفخ الذي قضى على موهوبين كبار في كل مجالات الفن. ذهب تألقهم مع الريح، وعاشوا على أطلال البدايات.
5
وددت لو كان أبي موجودا لأقول له إن عمرو دياب لم يعد مطرب جيلي وحده. لم يحب لنفسه الاكتفاء بالجلوس إلى جانب ابتساماتنا حين نتذكر مع أغانيه أيامنا المرتاحة، وأنه ترك لنا ابتساماتنا وذهب للمستقبل يصنع ابتسامات أخرى لصبية ومراهقين آخرين.
وددت لو أقول لأبي أنني أكثر تسامحا منه، ذلك أنه بينما امتعض من أغاني جيلي، أحببت أغاني جيله وإن اكتفى مطربوها بصنع ابتسامته.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك