نفحات الحنين بين ذكريات العيد ومدد الإبداعات الإنسانية حول العالم - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 1:50 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

نفحات الحنين بين ذكريات العيد ومدد الإبداعات الإنسانية حول العالم

أ ش أ
نشر فى : السبت 10 أغسطس 2019 - 10:38 ص | آخر تحديث : السبت 10 أغسطس 2019 - 10:39 ص

تحمل أيام الأعياد كعيد الأضحى المبارك نفحات من الحنين عند الأجيال الأكبر سنا لوجوه وبيوت وأماكن وأزمنة مضت، فإن ألوان الحنين و"أطياف النوستالجيا" تشكل مددا لإبداعات إنسانية متنوعة عبر العالم.

وتشكل الصورالفوتوغرافية مصدرا ثريا للحنين لانها تحمل ذكريات عائلية لأجيال متعددة تتحول إلى حياة كاملة بين ابتسامات ودموع لمن يتأملها.

وفي لقاء الحاضر والماضي تبقى دور السينما بالنسبة للكثيرين جزءا من رحلة أيام العيد المبهجة وأمام الشاشة الكبيرة يحمل البعض ذكرياته الخاصة والحميمة.

وفي هذا الصدد، تحتفي صحف ومجلات في الغرب "بصور النوستالجيا" فالمكان مكون جوهري في كتابات وكتب تعبر عن ألوان الحنين كما ظهر في كتاب جديد صدر بالانجليزية بعنوان :"جنوب النهر..لندن قبل التطوير" وهو كتاب مصور يقدم فيه نيال مكديارميد العديد من الصور للندن القديمة التي مازالت تعيش بشوارعها في أذهان أبنائها والذين أحبوها قبل أن تدخل في سياق ماعرف بالتطوير الذي أدى لاختفاء أماكن قديمة تنطوي بشوارعها وأسواقها ومقاهيها على ذكريات حميمة لدى من عرفوها.

كما يتجلى في التعليقات بالصحف البريطانية حول هذا الكتاب الجديد "والمشحون بالنوستالجيا" فحتى الشوارع لها ذاكرتها الانسانية، بل إن المرء قد يلوذ بطريق ما أو شارع بعينه في لحظات استثنائية بحثا عن الآمان وصفاء التفكير.. فلكلٍ ذكرياته الحميمة وذاكرته القابضة بالشجن، والحنين على وقائع بعينها وهي مسألة تمتد أيضا لعالم الطعام والمأكولات.

وهاهى الدكتورة نيفين مسعود، أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة، تكتب في جريدة "الشروق" بنبض الحنين عن أنواع من "الشيكولاتة"، بعد أن قرأت خبرا عن مرور 100 عام على إنشاء أول مصنع مصري للشيكولاتة، فإذا بها تستدعي ذكرياتها حول هذا "العالم البني البهيج".

وتحدثت عن أسماء أنواع من الشيكولاتة مازالت حاضرة في ذاكرة أجيال من المصريين، فيما أشارت إلى أن الأنواع الجديدة والمبتكرة من الشيكولاتة التي ظهرت مع مطلع الألفية الثالثة "لم تألفها الأجيال القديمة، ولا تأقلمت معها" لكنها محببة للغاية للأجيال الجديدة وتلك "سنة الحياة وتعايش الجديد والقديم".

وبين جدل الواقع والخيال كان الحنين حاضرا في إبداعات الكاتبة النوبلية الأمريكية، توني موريسون، التي قضت مؤخرا وكانت قد انهمكت بوجهها الطيب الصبوح في سلسلة محاضرات جامعية حول "أدب الانتماء" معتبرة أن سؤال الانتماء هو سؤال حياتها ومرتبط بشدة بالذكريات واستعارات الطفولة والتكوين فنحن ننتمي في الحقيقة لهؤلاء الذين نحبهم.

وتوني موريسون التي توجت بجائزة نوبل للآداب عام 1993 وقضت مؤخرا عن عمر يناهز الـ88 عاما من المبدعين الذين تناولوا بعمق حدة الألم عند فراق الأحباب، فيما استدعت صاحبة روايات"العين الأشد زرقة" و"سولا" و"اغنية سولومون" و"محبوبة" بكل الوجد والحنين ذكرياتها وهى طفلة في الثالثة من العمر تنتظر مع شقيقتها التي تكبرها بعام واحد زيارة الجدة التي بقت أسطورة في حياتها.

ففراق الأحباب والطيبين مؤلم بشدة وله تداعياته حتى في أكثر المجتمعات تطورا وحداثة مثل المجتمع الأمريكي، غير أن الحنين للماضي كشعور إنساني طبيعي قد يتحول إلى فخ أو شرك يرهن الإنسان المعاصر في قيوده، ويحول دون بناء المستقبل المأمول، ومن هنا فإن توني موريسون صاحبة "الفردوس" و"جاز" كانت تؤكد بوجهها الأمومي الطيب الأسمر أن "الخير لن يموت" رغم تعقيدات هذا الزمن الصعب.

إنها نظرة كونتها كاتبة نوبل في الأصل من حكمة جدة عظيمة قد لاتعرف القراءة والكتابة لكنها تعرف الحق بفطرتها الطيبة، وهكذا تعلمت الكاتبة الكبيرة والعظيمة توني موريسون الحكمة من جدتها الأمية ونسجت من الحنين أو "النوستالجيا" خيوط الانتماء للحق والخير والجمال.

وفي قصتها الأخيرة "ليكن الله في عون الطفلة" تتحدث توني موريسون عن الألم وأحزان الأطفال وعلاقتهم بالآباء في هذا الزمن، وتناقش قضايا متعددة بين الخير والشر، وهى التي استلهمت التاريخ الاجتماعي للأمريكيين المنحدرين من أصول أفريقية في كثير من إبداعاتها بخيالها الوثاب ولغتها الشاعرية المشحونة بالشجن.

وتشكل توني موريسون ذاتها لدى أجيال من الأمريكيين نوعا من الحنين لزمن مضى، وهي التي أبدعت إلى جانب رواياتها في كتابة المقالات وكلمات الأغاني وبعض المسرحيات.

كما انهمكت في أنشطة اكاديمية ونالت جوائز ثقافية أمريكية مثل جائزة بوليتزر المرموقة التي منحت لها عن روايتها "الفردوس" الصادرة عام 1998.

وإذا كانت توني موريسون قد كابدت آلام فراق الأحباب وهى التي فقدت ابنها الأصغر الفنان "سليد" عام 2010، وتوقفت لفترة عن الكتابة بعد أن استبد بها ألم الفقد فإن الحبيب يرحل ويترك مشاعر مؤبدة داخل المحب تشكل في الواقع قوام وجوده واكسير بنيته الشعورية ونظرته للعالم وسط حقائق تبحث لنفسها عن صيغة وسط عالم متغير، وتتسبب متغيراته الحادة أحيانا وأفاعيل قوى الشر في طرح السؤال المرير والمشحون بنوع من الحنين للماضي:"ماذا حدث للإنسان والعالم"؟!.

والظاهرة واضحة في الأدب والفن وفي السينما تحظى الأفلام التي "تعزف على أوتار النوستالجيا، وتداعب مشاعر الحنين للماضي وحلم استعادة الأيام الخوالي" بنسب مشاهدة عالية، وكأنها تقدم مركبات تنطلق في فضاء زمني عكسي.

وليس استدعاء الأيام الخوالي في أعمال المبدع التركي الكبير اورهان باموق والذي يحق وصفه "بحكاء الحزن التركي"، إلا تعبيرا عن احتجاج على راهن الأيام وواقع يشهد صعود نظام حكم استبدادي في بلاده.

وهاهو النوبلي اورهان باموق قد استحالت روايته:"غربة في عقلي" إلى نص مداده الشجن، ويكاد يكون مرثية لزمن إسطنبول الذي ذهب بلا عودة فيما اصدر من قبل كتابا سرديا بعنوان "اسطنبول: الذكريات والمدينة".

وهذه الرواية تشكل "أنشودة حزينة" حقا بقدر ماتحمل "وجد العشق لأسطنبول التي يتبدد ماضيها الجميل وتنتحر أيامها الخوالي"، وكذا يمكن للنوستالجيا أن تكون مصدر إبداع رائق، كما هو الحال في رواية باموق التي جاءت في 600 صفحة لتتعانق فيها هموم السياسة والتجارة والحب وعجائب المصادفات ونداءات الأشواق ومشاعر الحنين للأيام الخوالي والأماكن الحميمة في الذاكرة.

ففي الحياة اليومية قد تشكل "النوستالجيا" والإبحار في موانئ الذاكرة مناعة في مواجهة نوازل الدنيا واهتزاز الثقة بالذات، فيما الذكريات تحيل للخصوصية وتفرد النسيج وثراء الملكوت الإنساني.

وحتى في الفضاء الإلكتروني لشبكة الإنترنت ستجد من يبحث بشغف عن تلك المواقع التي تغازل مشاعر الحنين للماضي بتقديم محتوى يعتمد على الذكريات أو مايعرف بالزمن الجميل، وكأن تكنولوجيا العصر تتحول إلى خادم للماضي الذي يداعب أذهان الكثيرين.

وإذا كان الإيراني جافاد علي بور، قد أصدر كتابا جديدا بالإنجليزية بعنوان :"أولاد أثرياء..تاريخ مراكز التسوق في طهران"، وحظى هذا الكتاب "المشحون بالنوستالجيا والحنين لزمن مضى في بلاده"، فإن مشاعر الحنين تجد من يستغلها تجاريا، وبالفعل كما لاحظ البعض فان هناك نوعا جديدا من التسويق يعتمد على "النوستالجيا" في وقت الأزمات، وهذا هو "سحر النوستالجيا" الذي انتشر خلال السنوات الآخيرة في العالم كله.

وثَمَّة كتابات توضح أن خبراء التسويق الذين يلعبون على وتر الحنين يعلمون جيدا أنه لايجب محاكاة الماضي حرفيا بل استلهامه لإيجاد ترجمة عصرية من خلال سلع استهلاكية جذابة وعبر تجليات متعددة في مجالات الأزياء والموسيقى والسينما والمطاعم.

كأنه الماضي يعود في ثوب جديد وحلة قشيبة اتاحتها تقنيات العصر الرقمي ليجد إنسان هذا العصر مستعدا كل الاستعداد للقاء الموعود مع الزمن الجميل كما يتصوره وتؤجج هذه التصورات أشواقا وتوقا لذلك الماضي الذي يتغول أحيانا على الحاضر.

وتبدو المجتمعات الإنسانية المعاصرة في كثير من الأحيان وفي كثير من المجالات واقعة تحت سطوة النوستالجيا، فإن هناك من المثقفين حول العالم من رأى أن هذه المسألة تشكل إشكالية ثقافية، ومضى يحذر من مخاطر الشعور الجارف بالحنين للماضي او "النوستالجيا".

فها هو الكاتب الروائي والقاص الباكستاني محسن حميد والذي ذاعت شهرته في الغرب بروايته "الخروج من الغرب" يحذر من مخاطر "النوستالجيا"، معتبرا أن هناك حاجة "لاعمال الخيال لمستقبل أكثر إشراقا" ومن هنا فهو يسدي النصح للروائيين والحكائين على وجه العموم للنظر للآتي بأمل.

ومحسن حميد صاحب رواية "دخان العثة" والذي أمسى أحد نجوم الكتابة الإبداعية بالإنجليزية لتنصت له صحف كبرى في الغرب، لايغفل عن علاقة الكائن الإنساني بالزمن كعلاقة حاكمة لظواهر وجودية مثل النوستالجيا ورحلة الانسان منذ لحظة الوجود في هذا العالم وحتى لحظة الرحيل وتحولاته عبر رحلته من المهد إلى اللحد.

ويتحدث محسن حميد عن "محاولات الكائن الانساني لمقاومة الزمن أو التمرد على قيوده وحتمياته" فإنه يقول إن الإنسان في خضم هذه العملية قد يجد نفسه مشدودا "كعاشق لماض لايمكن الوصول إليه واستعادته لذكريات وأحلام" فاذا بها "رحلة الإغراق في النوستالجيا".

وهذا القاص الباكستاني الذي ولد في الثالث والعشرين من يوليو عام 1971 مدينة لاهور الباكستانية ويهوى الترحال حول العالم ينظر "للنوستالجيا كقوة مريعة في تلك اللحظة الكونية من التاريخ الإنساني".

ولكن لماذا كل هذا الحنين للماضي"؟!..الإجابة عند مثقف باكستاني يكتب بالإنجليزية مثل محسن حميد، تتلخص في أن إيقاع التغيير الحالي سريع للغاية، ومن ثم يحاول الإنسان المعاصر وسط آلام هذا الايقاع اللاهث والمتغيرات الزاعقة والصاعقة أن يجد في الماضي ملاذا آمنا.

والإشكالية هنا في قلب هذا الإيقاع السريع للغاية للتغيير، كما يحددها محسن حميد تتمثل في الخوف الانساني إن لم يكن الذعر من المستقبل، فيما الأدوات التي يطورها إنسان العصر الرقمي للتكيف مع معطيات هذا العصر غير كافية بعد لتبديد خوفه من الحاضر وفزعه من المستقبل.

وقد تتحول النوستالجيا إلى إشكالية عندما يعيش الانسان بكل وجوده الحاضر في الماضي محجوبا عن المستقبل، ويتحول الحنين إلى سلطة لماض يصادر الحاضر والمستقبل، وهكذا تتجلى محنة الإنسان المعاصر في نظر الروائي محسن حميد، في كونه "عالقا في الحاضر المضطرب بين ماض انتزع منه لكنه مشدود له بقوة الحنين والرغبة في البحث عن الآمان ومستقبل يخشى منه ومن ثم فهو يحاول ان يقاومه" فيما تمثل "النوستالجيا" آلية من آليات مقاومة المستقبل.

وإن كان هذا الروائي والقاص الباكستاني يحذر من الإيغال في مشاعر الحنين للماضي أو "سطوة النوستالجيا" فان قوة الذكريات قد تشكل في المقابل زادا ثقافيا ومددا إبداعيا يتبدى في جديد الكتابات فيما المفردة أو الكلمة ذاتها تتحول إلى خلية حية لها ذاكرتها عندما تدخل ضمن سياق أو بنية إبداعية.

وهذا مافعله القاص الياباني الشهير هاروكي موراكامي، عندما عاد للذاكرة وتوقف عند منتصف ستينيات القرن العشرين ليكتب قصته "قيادة سيارتي" بعد عمل آخر من تجليات الذاكرة بعنوان "رجال بلا نساء" حيث طوكيو المضطربة باحتجاجات الشباب.

وموراكامي الذي ولد في الثاني عشر من يناير عام 1949 من كتاب "الذاكرة" بامتياز فيما تتجلى في أعماله مشاعر الحنين للماضي، وقد يذهب بعيدا لحد تقمص نجوم الأدب والكتابة في ذاكرة العالم مثلما فعل في كتابه "كافكا على الشاطيء" ليصنع نموذجه الخاص للكاتب التشيكي الراحل فرانز كافكا الذي قضى في الثالث من يونيو عام 1924.

والطريف أن الشاعر والكاتب الفرنسي برنار نويل، عندما حاول في كتابه "النسيان" التأكيد على أهمية النسيان وتحرر الكاتب من سطوة الذاكرة وهيمنتها حتى يقدم الجديد والمغاير، عاد ليثبت أهمية الذاكرة، عندما قال في هذا الكتاب "لاشيء يضيع مع النسيان، فما ننساه يظل موجودا في مكان ما ثم يعود الى الظهور في الكتابة لاكما كان ولا الى ماكان بل كما ينبغي أن يكون".

وهذا الكتاب يتضمن إشارات دالة لقضية الذاكرة والنسيان، والحقيقة أن العلاقة بينهما جدلية وحافلة بالغرائب والمدهشات، وإذا كان هناك من يتحدث عن "أهمية التحرر من استبداد الذاكرة لإنتاج معنى جديد"، فمن الذي بمقدوره إنتاج معنى جديد بلا ذاكرة ؟..ومن الذي ينسى أول يوم ذهب فيه للمدرسة أو أول يوم التحق فيه بعمل أو أول طائرة استقلها، ومن الذي لايستعيد وجوه أصدقاء وزملاء على مقاعد الدراسة والأساتذة الذين قدموا العلم وشكلوا الوجدان؟.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك