الشيماء أحمد فاروق ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين
تعتبر الهدايا والمفاجآت من أبسط الوسائل التي تمنح الإنسان شعورًا بالبهجة والدفء، كما أنها تعد واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية إثارة للاهتمام النفسي، فالسعادة التي نشعر بها عند تلقي هدية ليست مجرد رد فعل اجتماعي أو مجاملة عابرة، بل هي استجابة بيولوجية عميقة داخل الدماغ، كما يوضح الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بجامعة أسيوط، في تصريحات خاصة لـ"الشروق".
رسائل حب يفهمها الدماغ
يؤكد الدكتور محمد، أن الإنسان عندما يتلقى هدية تنشط لديه ما تُعرف بدائرة المكافأة العصبية، وهي الشبكة المسئولة عن الشعور بالمتعة والانتماء، حيث يفرز الدماغ في تلك اللحظة مواد كيميائية تعزز الإحساس بالسعادة والأمان وتحسن المزاج.
ويفسر ذلك بأن الدماغ لا يفسر الهدية كشيء مادي فقط، بل كرسالة قبول وتقدير، حيث يتم قراءة الهدية عصبيًا كإشارة تقول: أنت مهم ومُقدر، وهو ما يعزز الشعور بالانتماء الاجتماعي ويخفف من الإحساس بالعزلة.
ويضيف أن هذه التأثيرات تزداد عندما تكون الهدية مفاجأة غير متوقعة، لأن الدماغ يتفاعل بقوة مع الأحداث غير المتوقعة، حيث تخلق المفاجأة تنبيهًا عصبيًا خاصًا يجعل اللحظة أكثر إثارة ويجعل أثرها العاطفي أطول وأبقى في الذاكرة، ولهذا تكون الهدايا المفاجئة غالبًا أكثر تأثيرًا من الهدايا المخطط لها مسبقًا، موضحًا أن العقل البشري يميل إلى تسجيل ما يكسر التوقعات كخبرة استثنائية، وليس مجرد حدث عادي.
الشعور بالسعادة مقترن بتقديم الهدية وليس بالتلقي فقط
ويقول عبدالعال، إنه من المثير للاهتمام أن بعض الناس يشعرون بسعادة أكبر عند تقديم الهدايا مقارنة بتلقيها، لأن العطاء نفسه ينشط مراكز الشعور بالقيمة الذاتية والمعنى، حيث يمنح تقديم الهدية الإنسان إحساسًا بالتأثير والقدرة على إدخال الفرح في حياة الآخرين، وهو ما يعزز الشعور بالجدوى النفسية، لذلك يشير إلى أن العطاء قد يصبح مصدرًا للراحة النفسية وليس فقط وسيلة لإسعاد الآخرين.
الهدايا لغة اجتماعية صامتة
أما عن قيمة الهدية، فيتابع الاستشاري النفسي بأن الدماغ لا يقيس السعر بقدر ما يقيس القصد والمعنى، فهدية بسيطة مرتبطة بذكرى مشتركة أو تعكس فهمًا عميقًا للشخص قد تترك أثرًا عاطفيًا أكبر من هدية باهظة الثمن بلا دلالة.
كما أن الرسالة الرمزية التي تحملها الهدية هي ما يحدد تأثيرها النفسي، وليس قيمتها المادية، فالهدايا تعمل كلغة اجتماعية صامتة، تعبر عن الاهتمام والتذكر والانتباه، لكنها قد تفقد معناها إذا تحولت إلى واجب متكرر أو سلوك روتيني، لأن الإفراط في تقديمها يسلبها عنصر التميز والمفاجأة.
العلاقات الصحية تحتاج إلى توازن في التعبير بين الوقت والهدايا
ويوضح أستاذ الطب النفسي، أن الفرق بين التعبير عن الحب بالهدايا والتعبير عنه بالوقت والاهتمام يبقى جوهريًا، فالهدية تعبر عن التذكر، بينما الوقت يعبر عن الأولوية، مشيرًا إلى أن العلاقات الصحية تحتاج إلى توازن بين الرمزية والتجربة، لأن اللحظات المشتركة تصنع ذكريات طويلة الأمد، في حين تصنع الهدايا لحظات مكثفة لكنها أقصر تأثيرًا.
كما يشير إلى أنه مع دخول المناسبات مثل عيد الحب، ترتفع توقعات الناس، وعندما ترتفع التوقعات يقل عنصر المفاجأة ويزداد القلق، فتتحول الهدية من تعبير عن الحب إلى اختبار غير معلن للعلاقة، وهنا قد تتحول المناسبة من مصدر للبهجة إلى مصدر للضغط النفسي.
كما يرى عبد العال، أن أفضل هدية ليست الأغلى، بل الأكثر تعبيرًا عن الفهم، فالهدية التي ترتبط بذكرى مشتركة، أو تلبي احتياجًا عاطفيًا، أو تخلق تجربة جديدة، هي الأكثر قدرة على إحداث أثر حقيقي.
الهدية لا تعوض الغياب العاطفي
لكنه ينبه على نقطة قد يتحول عندها العطاء من تعبير صادق عن الحب إلى محاولة لشراء الطمأنينة، حيث يرى أن الهدايا في المجتمعات الحديثة أصبحت أحيانًا وسيلة لتعويض الغياب العاطفي، فكلما قل الوقت المشترك، زادت قيمة الرموز المادية، مما يجعل العلاقات تبدو دافئة في ظاهرها، لكنها تعاني فراغًا في عمقها.
ويختتم أستاذ الطب النفسي حديثه مؤكدًا أن الهدايا ليست مجرد تبادل مادي، بل شكل من أشكال التواصل النفسي والاجتماعي، كما أنها وسيلة لترجمة المشاعر إلى إشارات يفهمها الدماغ، لكن أثرها الحقيقي لا يصنعه الثمن، بل المعنى.