الشيماء أحمد فاروق ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين
يسعى الكثير منا للعثور على الحب لكن قليل من يعرف ما هو الحب وكيف تنشأ هذه المشاعر بداخلنا من البداية، كما أننا أحيانا نظن أن ما نشعر به هو حب حقيقي، ونكتشف لاحقا أنه مرتبط بالاعتماد أو الرغبة أو حتى الخوف من الوحدة.
وفي هذا السياق، يوضح لنا عمرو مجاهد الأخصائي النفسي الإكلينيكي في حديثه لـ"الشروق"، لماذا نشعر بالانجذاب تجاه أشخاص معينين؟، ومن المسئول عن هذا الانجذاب القلب أم العقل؟، وما الفرق بين الحب الحقيقي والعلاقات التي قد تكون مضرة؟، وكيف تؤثر تجاربنا المبكرة وطفولتنا على اختياراتنا العاطفية؟.
ما هو الحب وكيف نشعر به؟
أوضح عمرو مجاهد أن الحب ليس مجرد شعور رومانسي بل هو عملية بيولوجية وكيميائية، وعلى الرغم من أننا نشعر بتأثير تلك المشاعر في أجزاء مختلفة من أجسادنا كالقلب والصدر بسبب التغيرات الفسيولوجية المصاحبة للانفعال إلا أن مشاعر الحب في الأساس هي عملية معقدة تجري داخل الدماغ، فعندما نشعر بالانجذاب تجاه شخص ما يفرز الجسم الأدرينالين والنورإبينفرين وهو ما يرفع ضربات القلب ويزيد الانتباه للطرف الآخر، ويجعلنا نشعر بالإثارة والتوتر في الوقت نفسه، وبعد ذلك يأتي دور الدوبامين وهو مادة كيميائية مسئولة عن الشعور بالمكافأة والمتعة، فيخلق شعورا بالإدمان على التفكير في الشخص المحبوب والرغبة المستمرة في الاقتراب منه.
وأضاف أن انخفاض مستويات هرمون السيروتونين يفسر حالة التفكير المتكرر والانشغال الذهني الزائد التي قد تظهر في بدايات الوقوع في الحب، ومع تطور العلاقة يبدأ إفراز الأوكسيتوسين، وهو المعروف بهرمون الترابط في الازدياد مما يعزز الشعور بالقرب والثقة والارتباط بين الطرفين، ويحول الحب من حالة اندفاعية وغرامية إلى علاقة مستقرة قائمة على المشاركة والطمأنينة، لذلك فالشعور بالحب في الأساس هو مزيج معقد من الكيمياء وسلسلة متقنة من تفاعلات الدماغ والجسم.
لماذا نقع أحيانا في حب غير مناسب؟
وأشار مجاهد، إلى أنه في بعض الأحيان ينشأ الانجذاب تجاه شخص لا يبادلنا نفس المشاعر أو يكون مترددا أو بعيدا، فتيحول الحب إلى ما يشبه "إدمان المكافآت المتقطعة"، حيث يبدأ المخ بالإحساس بالمكافأة بشكل أكبر عند تلقي اهتمام نادر أو ردود فعل غير متوقعة، فتعجبه تجربة ملاحقة هذا الشخص وكأننا نبحث عن جائزة كبرى، وفي هذه الحالة غالبا ما نقع في حب الصورة المثالية التي رسمناها في خيالنا عن الشخص وليس شخصيته الحقيقية وما هو عليه، فأدمغتنا مصممة على حب الغموض والتحدي لذلك يصبح الحب تجربة مليئة بالإثارة والضغط النفسي، مع شعور دائم بأننا نحاول الحصول على شيء نادر وثمين.
الفرق بين الحب والاعتمادية
ولفت إلى أن الحب الصحي يرتكز على الاحترام المتبادل والاختيار الحر والشعور بالأمان الداخلي، بينما الاعتمادية تقوم على الخوف من الهجر والحاجة المستمرة لتأكيد الاهتمام من الطرف الآخر، لذا فالشخص المعتمد غالبا لا يعرف قيمته إلا من خلال ردود فعل الآخرين، ويصبح مركز السيطرة على حياته خارجيا، وهذه الاعتمادية تجعل العلاقة أشبه بآلية لتجميع الاهتمام بدلا من علاقة مبنية على الحب الحقيقي، وقد تؤدي إلى فقدان الهوية الذاتية أو التنازل عن الاحتياجات الشخصية مقابل الحفاظ على العلاقة.
كيف تؤثر طفولتنا على علاقاتنا العاطفية؟
واختتم عمرو حديثه بالتأكيد على أن فترة الطفولة هي فترة محورية في حياة الإنسان، فتجاربنا الأولى مع الوالدين أو من يقومون بالعناية بنا تشكل نموذجا داخليا يحدد طريقة تعاملنا مع الحب لاحقا، فوفقا لنظرية التعلق التي ابتكرها جون بولبي، نجد أن الأطفال الذين تلقوا دفء واستجابة ثابتة وحنونة من الأهل يطورون تعلقا آمنا، مما يجعلهم قادرين على إقامة علاقات مستقرة مليئة بالثقة والاحترام، أما الأطفال الذين واجهوا إهمالا أو برودا أو استجابة غير متسقة فقد ينشأ لديهم تعلق قلق أو تجنبي، فيميلون للبحث عن أمان خارجي أو ينجذبون لشركاء بعيدين وغير ملتزمين.
كما أن حتى الصدمات أو النزاعات المبكرة يمكن أن تخلق أنماط تعلق معقدة، تؤثر على مستوى الرضا عن العلاقات العاطفية مستقبلا، ولكن مع الوعي النفسي والعمل على الذات مثل العلاج المعرفي السلوكي أو التدريب على التواصل المبني على التعلق الآمن، يمكن تعديل هذه الأنماط وبناء علاقات صحية ومستقرة أكثر.