أثارت واقعة إجبار شاب بميت عاصم بالقليوبية على ارتداء بدلة رقص، والاعتداء عليه بالسب والضرب والإذلال، ردود فعل واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، زاد معها خوف المستخدمين من تحول المجتمع إلى مساحة كبيرة من القلق تنتشر فيها البلطجة والعنف كوسيلة لأخذ الحقوق والانتقام، وعلت معها صيحات العديد من أجل الدعوة إلى إيجاد حلول لهذا الأمر؛ حتى لا يتحول المجتمع إلى غابة.
تواصلت "الشروق" مع الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، والذي قدم قراءة تحليلية للسلوك الجماعي المرتبط بالإذلال العلني، واقتراح حلول لمنع تكرارها؛ حيث يؤكد أن اللجوء إلى الإذلال العلني كوسيلة للعقاب يرتبط غالبا برغبة بعض الأفراد في الانتقام والتشفي من الضحية، خاصةً عندما يعتقدون أنه ارتكب خطأ كبيرا يستحق عقابا أمام الآخرين.
كسر الصورة الاجتماعية
ويرى الخبير التربوي أن هذا النوع من العقاب لا يهدف فقط إلى إيذاء الشخص نفسيا؛ بل كسر صورته الاجتماعية أمام المحيطين به، سواء أمام من يعرفهم أو أمام المجتمع المحلي، بما قد يدفعه إلى الانعزال أو حتى مغادرة المكان هربا من نظرات الاحتقار أو الشفقة.
ويضيف بأن إجبار الضحية على ارتداء ملابس نسائية هو سلوك مرتبط بثقافة اجتماعية متجذرة في بعض البيئات وبشكل خاص في القرى؛ حيث يتم النظر إلى ارتداء الرجل لملابس نسائية باعتباره انتقاصا من رجولته وتجريدا له من القوة والقدرة على الدفاع عن نفسه.
مفاهيم مشوهة عن الرجولة
ويرى الدكتور تامر شوقي أن هذه الممارسات ترتبط بمفاهيم مشوهة عن الرجولة والأنوثة تتشكل عبر التنشئة الاجتماعية، حيث تربي بعض الأسر أبناءها على وضع الرجل في مكانة أعلى من المرأة، وهذا الأمر يرسخ التمييز بين الجنسين ويجعل استخدام رموز مرتبطة بالأنوثة أداة للإهانة، مشيرا إلى وجود أبحاث حول التنشئة الاجتماعية في المجتمعات التقليدية توضح أن ربط الرجولة بالقوة والسيطرة يزيد من تقبل العنف كوسيلة لفرض الهيمنة الاجتماعية.
ظاهرة التصوير دون تدخل
وحول ظاهرة تصوير الواقعة دون تدخل، أوضح الدكتور تامر أن صمت المارة يمكن تفسيره بعدة عوامل، منها: الخوف من الانتقام أو التعرض للأذى، القلق من الدخول في مشكلات قانونية، عدم فهم ملابسات الواقعة ومن المخطئ فيها، تراجع بعض القيم الاجتماعية المرتبطة بالنجدة والتدخل لحماية الأضعف، إضافة إلى تأثير المشاهدة الجماعية التي تجعل الفرد يميل إلى الصمت عندما يرى الآخرين غير متحركين.
سُبل المواجهة
يؤكد أستاذ علم النفس التربوي أن التربية في المنزل والمدرسة تلعب الدور الأهم، مشددا على ضرورة أن يكون الوالدان والمعلمون نماذج عملية في ضبط الانفعالات وحل النزاعات دون عنف، مع تعزيز السلوكيات الهادئة لدى الأطفال وتشجيعهم عليها، داعيا إلى غرس قيم التسامح والاحترام وقبول الآخر من خلال الأسرة والمناهج الدراسية، باعتبارها مسئولية أخلاقية ومجتمعية مشتركة.
وأكد أهمية إدخال برامج تعليمية عن التعاطف والمسئولية الاجتماعية في المدارس، مشيرا إلى أن وجود دراسات تربوية كثيرة تؤكد أن تعليم المهارات الاجتماعية وحل النزاعات في المدارس يمكن أن يقلل السلوك العدواني بين الأطفال بنسبة كبيرة.
ويختتم الخبير التربوي حديثه بالتأكيد على أهمية دور العقاب القانوني، ونشر التوعية بمفهوم التدخل الآمن، وتوضيح القوانين التي تحمي من يتدخل لحماية الآخرين، إلى جانب العمل بشكل كبير على تغيير الثقافة التربوية والاجتماعية التي تشكل نظرة الأفراد إلى القوة والكرامة الإنسانية.