تمرّ اليوم ذكرى ميلاد الفيلسوف الشهير ابن رشد، الذي وُلد في 14 إبريل 1126م بقرطبة، ورحل في 10 ديسمبر 1198م بمراكش.
يعد ابن رشد واحدًا من أبرز الفلاسفة في الحضارة الإسلامية، وهو ابن مرحلة ازدهار الأندلس، ولا سيما في ظل دولة الموحدين. ولم تقتصر شهرة ابن رشد وتأثيره على العالم الإسلامي فحسب، بل امتدت إلى الغرب أيضا، حيث حظيت شروحاته وأفكاره بتقدير كبير واهتمام واسع.
تزخر مسيرة الفيلسوف الشارح بالعديد من الأفكار التي تدور حول إعمال العقل، والسعي إلى التوفيق بين الفلسفة والدين، بما يقرب بين العقل والنقل، إلى جانب شروحاته المهمة لفلسفة أرسطو، فضلا عن مؤلفاته الكثيرة والمتنوعة.
ويعد كتاب "تهافت التهافت" واحدا من أهم أعمال ابن رشد وأكثرها شهرة، وهو يمثل ردا فلسفيا مباشرا على الهجوم الذي وجهه الإمام أبو حامد الغزالي للفلسفة في كتابه الشهير "تهافت الفلاسفة"، وقد جاء كتاب ابن رشد بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار للفلسفة بعد النقد الحاد الذي أصابها عند الغزالي.
لم يعرف على وجه التحديد تاريخ تأليف "تهافت التهافت"، إلا أن أغلب الباحثين يرجحون أنه كتب في مرحلة النضج الفكري لابن رشد.
ويشير الباحث الأب يوحنا قمير، في دراسته حول "التهافتين"، إلى أن سمات الكتاب من حيث سعة الاطلاع وعمق التفكير تجعل من الصعب نسبته إلى مرحلة الشباب.
كما أن ابن رشد لا يذكر هذا الكتاب في "فصل المقال"، ولا في "مناهج الأدلة" الذي أنهى تأليفه في إشبيلية بين عامي 1179م و1180م. وبناء على ذلك، يرجح قمير أن تأليف "تهافت التهافت" لم يكن قبل عام 1180م، حين كان ابن رشد في نحو الرابعة والخمسين من عمره.
على نهج الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، يقسم ابن رشد "تهافت التهافت" إلى قسمين: الإلهيات والطبيعيات، ويتناول فيهما المسائل التي طرحها أبو حامد.
وتشمل هذه المسائل قضايا متعددة، تبدأ بمسألة قدم العالم وحدوثه، مرورا بموضوع الخلود، ثم صدور الكثرة عن الواحد، والاستدلال على وجود صانع العالم، ووحدانية الله ونفي الكثرة في ذاته، إلى جانب مسألة الصفات: هل هي عين الذات أم غيرها، وقضية الوحدانية، والوجود والماهية في الذات الإلهية، إضافة إلى قضايا التنزيه والتجسيم، والصانع أم الدهر.
ثم تأتي ثلاث مسائل ضمن "العلم الإلهي"، وتشمل: العلم بالكليات، وهل يعقل الأول ذاته، والعلم بالجزئيات. وبعد ذلك ينتقل النقاش إلى مسائل مثل طاعة السماء، والغرض المحرك لها، واللوح المحفوظ، ونفوس السماوات، قبل أن ينتقل أبو الوليد إلى مباحث الطبيعيات، حيث يناقش السببية، وروحانية النفس، ومسألة الخلود، وفناء النفوس البشرية، وأخيرا البعث هل هو للنفوس فقط أم للنفوس والأجساد معا.
إذا كان الغزالي قد تساءل في خاتمة كتابه عما إذا كان الفلاسفة الذين تناولهم يعدون كفارا، وذهب إلى القول بوجوب تكفيرهم في ثلاث مسائل: قدم العالم، وعلم الله بالجزئيات، وإنكار بعث الأجساد، باعتبار أن هذه القضايا لا تتفق مع الدين، فإن ابن رشد يقدم رؤية مغايرة تماما.
فهو يرى أن مذهب الفلاسفة يقوم في جوهره على الإيمان بوجود الله وعبادته، وأن مبدأ السببية الذي رفضه الغزالي ونفاه، هو في الحقيقة السبيل إلى معرفة الله ومعرفة خلقه بصورة عقلية وواقعية.
وفي المقابل، يذهب ابن رشد إلى أن كثيرا من التصورات الشعبية للدين تحتاج إلى تأويل روحي لا حرفي، لأن الغاية منها في الأساس هي توجيه الإنسان نحو الفضيلة. فالإنسان يبدأ حياته دائما ضمن معتقدات عامة قبل أن ينتقل إلى مستوى أعمق من الفهم.
لكن حتى عند بلوغ هذا المستوى، لا ينبغي للإنسان أن يستخف بالمعتقدات التي نشأ عليها، بل عليه أن يسعى إلى فهمها فهما صحيحا ومتدرجا.
ومن هنا تتضح الفكرة المركزية التي تحكم "تهافت التهافت" كما "تهافت الفلاسفة"، وهي علاقة الدين بالعقل، كما أشار إلى ذلك الجابري في قراءته للفكر العربي الإسلامي.
في النهاية يبقى كتاب "تهافت التهافت" لابن رشد محاولة لدفاع عن الفلاسفة، وإثبات أنه لا تعارض بين الدين والفلسفة، وهو أيضا دليل على أن الفكر لا يرد عليه إلا بالفكر.
كما أنه، وفي مواجهة كتاب "تهافت الفلاسفة" يظل يطرح سؤال المعركة التي نشأت بين الكتابين، وبين فيلسوفين هامين، إنه سؤال الدين والفلسفة، بشكل آخر هل هنالك تعارض بين الإثنين؟ يبقى السؤال قائما، والإجابة ربما لا توجد بشكل آلي، وإنما بالبحث والتنقيب.