المستشار مصطفى الشريف يكتب: من قهوة ماتاتيا إلى فندق الريتز.. قضية زواج وعنصرية - بوابة الشروق
السبت 27 نوفمبر 2021 4:14 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

المستشار مصطفى الشريف يكتب: من قهوة ماتاتيا إلى فندق الريتز.. قضية زواج وعنصرية

المستشار مصطفى الشريف
المستشار مصطفى الشريف

نشر في: الجمعة 15 أكتوبر 2021 - 1:22 م | آخر تحديث: الجمعة 15 أكتوبر 2021 - 1:22 م

نزح الشيخ علي يوسف من قريته في الصعيد على ظهر مركب، فقيرا معدماً، يطلب العلم الشرعي بين أروقة الأزهر في القاهرة، ليصبح عالما مرموقاً إن أفلح، أو مقرئاً على المقابر إن فشل. كان الصبي نجيبا استثنائياً طوال سيرته.

شهد في شبابه جلسات الثورة العرابية والسياسة والفن في قهوة ماتاتيا بميدان العتبة في قلب القاهرة، جلس على ماتاتيا يستمع إلى عرابي وعبدالله النديم وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والشابين الواعدين سعد زغلول ومصطفى كامل وكثيرين غيرهم، تفاعل مع الناس والأحداث وترك بصمته أينما حل، حتى قبل أن يصل ما وصله، إذ أصبح لاحقاً رائداً للصحافة الوطنية المصرية عبر جريدة المؤيد التي أسسها عام ١٩٠٤، وذاع صيتها وتعمق أثرها على المجتمع المصري حتى اضطر الاحتلال البريطاني أن يواجهها بصحافة بديلة، تمثلت في جريدة المقطم التي أصبحت ناطقة بلسان الانجليز حينها. وبعد بضع سنين تأسست الأحزاب المصرية لأول مرة في التاريخ عام ١٩٠٩، عبر ثلاثة أحزاب شكلت نواة الحياة السياسية في مصر، الحزب الوطني تحت قيادة الشاب مصطفى كامل، وحزب الأمة بقيادة محمود باشا سليمان، ثم حزب الإصلاح الدستوري الذي تزعمه الشيخ علي يوسف.

ذاع صيت الرجل وزاد ماله، فرغب أن يتزوج بزوجة جديدة، تناسب الوجه الجديد للحياة التي ابتسمت له أخيرا، فتطلع لنسب رفيع يزيد من بريقه الاجتماعي، فتقدم للزواج من كريمة الشيخ السادات من وجوه السادة الأشراف، اسمها صفية، وهي فتاة جميلة مثقفة، وبدينة وبيضاء، يتسق وصفها مع مقاييس الجمال حينها. رفض الشيخ السادات الزواج فوسط الشيخ علي الأمراء والأعيان للضغط عليه، حتى تدخل حاكم البلاد بنفسه، الخديو عباس حلمي الثاني، فتظاهر السادات بالموافقة، وقبل من علي يوسف أن يهدي لكريمته المهر والشبكة، ثم راغ منه عند تحديد موعد الزفاف. أكثر من ثلاث سنين، والأمر معلق، حتى ضاق الأمر بالشيخ وخطيبته، فتواصلا سرا، واتفقا على أن تخرج من بيت أبيها خفية، ثم تجتمع مع الشيخ علي يوسف بمنزل السيد البكري، وهو من أعمامها من السادة الأشراف، حتى ينعقد الزواج بينهما ويتم الزفاف.

استيقظ الشيخ السادات من نومه على جريدة المقطم التي نشرت الخبر خاليا من التفاصيل، كي تترك لخيال القارئ التساؤل عن هذا الزفاف المريب، كيف تم ومتى؟، أخفت تفاصيله كي توصل رسالة غير مكتوبة أن في الأمر شيئا مشينا تترفع عن ذكره. ثار السادات وجن جنونه، فلجأ إلى المحكمة، طالباً القضاء بفسخ عقد الزواج وبطلانه، ولم يكن يدر حينها أن دعواه ستحدث بالمجتمع ما أحدثت من أثر، فأصبحت القضية قضية رأي عام ساخنة، الواقعة جديدة على المجتمع، وأطرافها شخصيات عامة. حتى كتب فيها حافظ إبراهيم شعراً، يقول فيه:

وقالوا "المؤيد" في غمرة ** رماه بها الطمع الأشعبي
دعاه الغرام بسن الكهول ** فجن جنوناً ببنت النبي!
والمقصود ب بنت النبي هنا، هي الآنسة صفية، لأنها شريفة، يرتفع نسبها إلى سيدنا الحسين ومنه إلى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

انحاز معظم الرأي العام لصف الأب السادات، وهو رأي الجمهور المحافظ التقليدي، الذي يرى الواقعة في إطارها الأخلاقي المجرد، بينما الأقلية من المثقفين وبعض التقدميين انحاز لموقف الشيخ علي يوسف وزوجه. وكان القاضي الشرعي الذي ينظر القضية من ذوي الرأي المحافظ كأغلبية العوام، فبعد أن رفضت السيدة صفية أن تنفذ قراره الوقتي بأن تغادر بيت زوجها الشيخ علي يوسف وتعود لبيت أبيها إلى حين الفصل في الدعوى، لأن الزوجية وبطلانها وصحتها صارا محل نظر، أضرب القاضي عن عمله في سابقة لم يسجل مثلها تاريخ العدالة في مصر، حتى استجابت الزوجة بوساطة من وزير الحقانية وقتها، فأقامت في بيت الشيخ الرافعي باعتباره حلا وسطا.

عادت القضية للتداول من جديد عقب تجاوز هذه الأزمة، وقدم السادات شهودا تثبت أن الشيخ علي يوسف وضيع الأصل، لا يكافئ نسبه نسب زوجته الشريف، كما أن مهنته الصحافة هي مهنة تقوم على التجسس ونقل الأخبار وهو أمر منهي عنه شرعاً. رد الشيخ علي كل هذه الحجج، أن الناس سواء، وأنه ارتفع لكفاءتها بما ناله من تقدير ومكانة وثروة، وأن الصحافة مهنة شريفة، واستدل على ذلك بأن القضاة، بما فيهم من ينظرون القضية، مشتركين في جريدته "المؤيد"، ويتابعون أعدادها. وكان مما تضمنه رد محام الشيخ السادات على دفاع علي يوسف، أنه قال إن أصل الشيخ علي يوسف الفقير هو عار لا يزول عنه بالغنى، وأن العاطل الذي ورث مالاً يضيعه هو أكرم حتماً من العصامي الذي اجتهد فحقق ذاته حديثا، لأن الأمر طارئ وحديث.

اشتعل جدل مجتمعي غير مسبوق، غشى المقاهي والخانات والدواوين والبيوت والشوارع، لكنه انتهى بعد شهور، حين أصدر القاضي حكمه بفسخ الزواج، وانفصال الزوجين، فاستأنف الزوجان الحكم، غير أن حكم الاستئناف جاء مؤيدا لسابقه، وعد لذلك الزواج باطلا، وعادت صفية مرغمة إلى بيت أبيها، تنتظر منه العذاب أو الحبس أو الارغام على زوج لا تطيقه، أما ما لا يعنينا كثيرا في هذا المقام، لكنه قد يستحق الذكر، أن الشيخ السادات وافق بعدها على زواج كريمته من الشيخ علي يوسف بعقد ومهر جديدين إذ شعر أن كرامته المهدورة ردت إليه.

أما النهاية التي قد تعنينا، أن الشيخ علي يوسف قد قضى جل ما بقي من عمره في السعي نحو القيد في سجلات نقابة الأشراف، بوصفه منسباً لنسبهم، وبعد ثمان سنوات من حكم التطليق، ثم هجر السياسة والصحافة، وأفرغ وقته بعد تعيينه كشيخ للسادة الوفائية، وكأن هذا النسب وتلك الصفة سيجعلانه فقط ندا لزوجه. وبعد سنين لم تطول، بغض الشيخ زوجته، وانغمس في عمله أياما متصلات حتى لا يراها، وقد كان هذا الحال حتى وافته المنية، وهذا شأن الرجال ذوي الهمة حين يتعلقون بالمرأة، فحبهم يكون متطرفاً جدا، تماما كزهدهم فيها وتخليهم عنها، وسبحان من يغير ولا يتغير.

وقبل أن ندع علي يوسف وقضيته، نشير إلى أمرين هامين ذوي دلالات عميقة، أما الأمر الأول: أن الرأي العام الغالب كان حينها متضامناً مع الأب الشيخ السادات، وأسباب تأييده كان مجملها يدور حول إيمان الرأي العام بالصيغة المحافظة للزواج، التي تجعل الكفاءة واتساق النسب أمرا جوهريا لصحة الزواج نفسه. أما الأمر الثاني وهو شديد الدلالة، ويتجلى في أسئلة المحكمة التي وجهتها للشهود، وقد ذكرها الأستاذ أحمد بهاء الدين في كتابه أيام لها تاريخ، ومن بين هذه الأسئلة:

- هل بيت علي يوسف له ما لبيت السادات من العلم والمكارم؟
- هل في بيته ما في بيت السادات من العز والأبهة؟
- هل أصول العلم والتقوى في بيت يوسف قديمة أم طارئة؟

وقبل أن نورد دلالات هذا الأمر، نعرج على الواقعة الأخرى الحديثة التي نزورها اليوم، وهي قصة تلت السابقة ببضع وتسعين عاماً، وكانت في النصف الآخر من الدنيا، لكن ثمة بين القصتين تشابهات ودلالات مشتركة.

في مايو ٢٠٢١، يدلي الأمير هاري، نجل ولي عهد العرش البريطاني بحديث إلى جريدة الاندبندنت البريطانية، يقارن فيه تجربته مع زوجته السمراء ميغان، وبين تجربة أمه الأميرة ديانا مع صديقها المصري الأصل عماد الفايد، فيشير أن علاقة ديانا بعماد الفايد قد تعرضت لهجوم عنصري، مصدره أن الأخير من أصل عربي، وملون (أي أنه ليس أبيض كالإنجليز)، وأن ذلك كان رأي تيار عنصري محافظ عريض داخل المجتمع الانجليزي.

وقد سبق ذلك بسنوات رئيس الوزراء السابق توني بلير، الذي ذكر في مذكراته المنشورة عام ٢٠١٠ أنه قد حذر الأميرة من علاقتها بهذا الشخص، وأن هذه العلاقة تعد مشكلة وأمر معقد، ثم يستدرك وينفي أن يكون ذلك بسبب لونه أو أصله. لكن ما لا تخفيه المذكرات أن تحذير رئيس الوزراء للأميرة قد حمل معنى التهديد من جانب أو آخر.

وقد تحدث الأب المكلوم، عن ابنه وكيف قضى أجله فجأة، فذكر ذلك وأسهب في اتهامات وظنون تتعلق بالدافع على الجريمة، واعتقاده في أنها جريمة عمدية وليست حادث سير، وارجاعه سبب الجريمة إلى أسباب عنصرية بحتة.

وظلت ديانا هدفا لمطاردة الصحافيين المتطفلين والباباراتزي، حتى أن جريدة لوموند الفرنسية نقلت تصريحا سياسيا لها قبل وفاتها بيومين تذكر فيه دعمها لموقف حزب المحافظين البريطاني، وهو الأمر المحظور على الأسرة المالكة البريطانية، إذ يمتنع عنهم الحديث السياسي أو التأييد الحزبي.

ظلت العلاقة محط ردود فعل متباينة، لكن حمل المجتمع الإنجليزي نحوها كثيرا منم المشاعر السلبية للأسباب التي أشار إليها الأمير هاري والأب المكلوم. إلا أن هذه المغامرة قد انتهت سريعا بعد العشاء الأخير في فندق الريتز بباريس، حين لقى الرجل والمرأة مصرعهما في حادث سير بنفق ألما وسط باريس.

إن الواقعتين وان اختلفا في الزمان والمكان، وفي السياق بين شرقي مصري قديم، وغربي بريطاني حديث، إلا أنهما يحملان قضايا مشتركة، وتفاعلات بشرية قد تكون متشابهة إن لم تتطابق. وقد ترفعان الحجب الكثيفة التي توهم بعض الناس أنهم فقط متحجرون على أسباب ودوافع قد تبدو عنصرية وأن الغرب قد تقدم لأنه قد تخلص منها، بينما الحقيقة تختلف كثيرا عن ذلك؛

ثم إن هذه الدوافع العنصرية، قد تكون لها الغلبة قديما على ألسنة العامة، وقد تكون انزوت حديثا، لكنها تظل في عقول وصدور الناس، متخفية، تظهر تجلياتها في علاقات البشر ببعضهم، لكن لا يفصحون عنها، بل ويمقتونها صادقين بألسنتهم، لكن كيف للسان أن يبلغ ما يبلغه القلب والفكرة؛

وأخيراً نقول إن العرف والعادة من مصادر الأحكام الشرعية، ومن مصادر التقنين الوضعي كذلك، والقاعدة الأصولية تقول إن "العادة مُحكّمة"، وبغض النظر عن إعادة التفكير في العادة ومضمونها وشرعيتها وعدالتها، إلا أنها محكمة ومؤثرة على كل حال، مالم ينتزعها سلطان التشريع أو العادة الحادثة التي ترث القديمة.

وسبحان من يرث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون..



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك