شهدت مدارس السويد تحولًا ملحوظًا في سياساتها التعليمية، فبعد سنوات من الاعتماد المكثف على الأجهزة اللوحية والتعلم عبر الشاشات، رصدت عدة تقارير صحفية، من بينها "The Sunday Times"، تراجعا في مهارات القراءة والتركيز لدى التلاميذ، خصيصًا في المراحل المبكرة مع زيادة التعلم الرقمي الكامل؛ ما دفع السلطات إلى إعادة الاستثمار في الكتب المدرسية والمكتبات والقراءة الجهرية داخل الفصول، وتقليل استخدام الشاشات للصغار، بعد أن لاحظ المعلمون أن التفاعل مع النص الورقي يمنح الطلاب اندماجًا وفهمًا أعمق.
* جذور الأزمة
على مدار نحو خمسة عشر عامًا اتجهت السويد بقوة نحو التعليم الرقمي، واستبدلت كثيرًا من الكتب المدرسية بأجهزة كمبيوتر محمولة وأجهزة لوحية، فيما أثار هذا التحول قلق التربويين بعدما تكررت شكاوى من انشغال الطلاب عن المهام الدراسية بالدخول إلى الفيديوهات والألعاب ومنصات التواصل خلال وقت الدراسة، لا سيما أن انتشار الأجهزة لم يعد مقتصرًا على المدرسة، إذ أظهرت بيانات أن نسبة ملحوظة من الأطفال في سن صغيرة أصبحوا يمتلكون هواتف ذكية، بحسب ما نشره موقع " Futura-Sciences"
* ماذا تقول الأبحاث؟
وتفرض القراءة عبر الشاشات ذات الإضاءة الخلفية، عبئًا ذهنيًا أكبر مقارنة بالقراءة من الورق، خاصة لدى الأطفال في المراحل المبكرة، فطبيعة الشاشة نفسها، بما تتضمنه من إشعارات وعناصر بصرية متغيرة، تجعل الحفاظ على الانتباه لفترة طويلة أكثر صعوبة، وفقًا لـ"Futura-Sciences".
كما تربط عدة أبحاث بين الاستخدام المكثف للأجهزة الرقمية وتراجع جودة الفهم وضعف تثبيت المعلومات في الذاكرة، وخاصة لدى الطلاب الذين يعانون في الأساس من صعوبات في التركيز.
* فجوة المفردات تبدأ من البيت
وتؤكد عالمة المعاجم البريطانية سوزي دينت وجود قلق حقيقي بشأن تراجع القراءة واتساع فجوة المفردات بين الأطفال، مشيرة إلى أن الأطفال الذين يقرؤون بانتظام يطورون مفرداتهم بسرعة أكبر بكثير من غيرهم، بينما يتأخر كثيرون لغويًا مع زيادة وقت الشاشة على حساب وقت الكتاب، بحسب تقرير لصحيفة الجارديان.
ولفتت دينت، الانتباه أيضًا إلى عامل مهم، يكمن في أن الأطفال يتعلمون من عادات الكبار، والانشغال الدائم بالهواتف، حتى لو كان لأغراض العمل، يُترجم في نظر الطفل إلى انصراف مستمر عن التفاعل الإنساني، فمشاهد الآباء المنشغلين بالشاشات دون حوار مع أطفالهم تُعد من الأسباب الرئيسية للأزمة، لأن الحوار اليومي هو المحرك الأساسي لنمو اللغة، وكل محادثة أو سؤال أو حكي قصة أو نقاش بسيط يضيف إلى المستوى اللغوي للطفل.
كما تدعو إلى ضرورة إلغاء الشاشات بالنسبة للأطفال بشكل كامل، بل إلى إعادة التوازن، عبر دمج المحادثة الغنية بالكلمات والمفردات المختلفة في الروتين اليومي، وتشجيع القراءة المشتركة، واستخدام ألعاب الكلمات، والاستفادة من الألعاب اللغوية المتاحة عبر الإنترنت بدل الاكتفاء بالمحتوى السريع.